تُقدّم دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجًا متماسكًا ومتقدّمًا في العمل الإنساني الحقيقي، يقوم على رؤية أخلاقية سامية ترى الإنسان غاية الفعل الإنساني ومركزه، وتتعامل مع المعاناة بوصفها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون تحديًا لوجستيًا.
فالمقاربة الإماراتية لا تفصل بين الإغاثة العاجلة وصون الكرامة الإنسانية، ولا تختزل العمل الإنساني في توفير الاحتياجات المادية، بل تربطه بالدعم النفسي والاجتماعي، وبحماية الإنسان من الآثار العميقة والممتدة للأزمات.
في هذا السياق، تندرج عملية «الفارس الشهم» بوصفها إحدى أبرز تجليات هذا النهج، وهي مبادرة إنسانية إماراتية شاملة تهدف إلى تقديم الدعم الإغاثي والطبي والنفسي للفئات الأكثر تضررًا في قطاع غزة. وتمثل العملية نموذجًا للعمل الإنساني المنظّم والمستدام، القائم على الاستمرارية والتكامل، لا على الاستجابات الظرفية أو الرمزية. ومن خلال مراحلها المختلفة، أكدت «الفارس الشهم» أن العطاء الحقيقي هو ذاك الذي يلامس حاجات الإنسان في كليّته الجسدية والنفسية والمعنوية.
وقد برزت «الفارس الشهم 3» بوصفها ترجمة عملية لهذا الفهم المتقدّم، حيث انتقلت بالعمل الإنساني من منطق التدخل المؤقت إلى منطق المسؤولية المستدامة. وشملت العملية مبادرات نوعية دقيقة الاستهداف، من بينها فعالية الدعم والتفريغ النفسي للأطفال الصم في جمعية «الأمل للتأهيل والتدريب» بقطاع غزة. وتمثل هذه المبادرة التفاتة إنسانية بالغة الحساسية إلى فئة تعاني تراكب المعاناة بين قسوة النزاع وتحديات الإعاقة، بما يستدعي مقاربات خاصة تراعي احتياجاتها النفسية والتواصلية.
وهدفت هذه الفعالية إلى التخفيف من آثار الصدمة والخوف، وتعزيز الإحساس بالأمان، من خلال أنشطة مدروسة تراعي الخصوصية النفسية للأطفال الصم، وتُعيد الاعتبار لحق الطفولة في الرعاية والطمأنينة حتى في أقسى الظروف. فالدعم النفسي هنا لم يكن عنصرًا ثانويًا، بل جزءًا جوهريًا من الفعل الإنساني، يُسهم في حماية التوازن النفسي للأطفال، ويحدّ من الآثار طويلة الأمد للصدمات.
كما شمل البرنامج توزيع طرود ملابس، في بادرة إنسانية تحمل قيمة معنوية تتجاوز بعدها المادي، إذ تُسهم في إدخال الفرح إلى قلوب الأطفال، وتعزيز صمودهم، وترسيخ الإحساس بالاهتمام والكرامة. وتعكس هذه المبادرة إدراكًا راسخًا بأن التفاصيل الإنسانية الصغيرة قد تُحدث أثرًا كبيرًا في نفوس المتضررين، وأن العناية بهذه التفاصيل جزء لا يتجزأ من العمل الإغاثي الرصين.
وبالتوازي مع هذه المبادرات النوعية، تواصل الإمارات جهودها الإغاثية عبر قوافل برية منتظمة ضمن «الفارس الشهم 3»، تنطلق من العريش إلى قطاع غزة، محمّلة بالمساعدات الإنسانية المتنوعة. ويؤكد هذا الحضور المتواصل أن الالتزام الإماراتي ليس ردّ فعل ظرفيًا، بل نهج ثابت يستند إلى فلسفة عطاء متجذّرة، تنحاز للإنسان حيثما كان، وتستجيب للمعاناة بوعي ومسؤولية.
بهذا المعنى، يقدّم النموذج الإماراتي في العمل الإنساني الحقيقي درسًا بالغ الدلالة في عالم مثقل بالأزمات؛ فالقيمة لا تُقاس بحجم المساعدات وحده، بل بعمق الأثر، وبالقدرة على الجمع بين الإغاثة والرحمة، وبين سرعة الاستجابة وسموّ الرؤية، بما يجعل من العطاء فعلًا حضاريًا، ومن التضامن قيمة إنسانية عابرة للحدود.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة