في مهنة الصحافة، لا بد للصحفي من التحقق من المعلومة، وهو أمر بديهي تفرضه القوانين والأعراف المهنية ومواثيق الشرف الصحفي.
لكن ما نعيشه اليوم «فوضى» صحفية، لا سيما مع انتشار أنظمة الذكاء الاصطناعي التي أصبح بإمكانها توليد الصور والفيديوهات بسرعة فائقة قد تتطابق مع الواقع ربما بنسبة قد تصل إلى نحو 100%.
في خضم هذه التحولات التقنية المتسارعة، التي لا تعني نهاية المهنة بقدر ما تعني انتقالها إلى طور أكثر حساسية وتعقيدًا، حيث يصبح عنصر التحقق جوهر العملية الصحفية، لا بد اليوم من إخضاع الصحفيين والإعلاميين لدورات مكثفة تمكّنهم من التحقق من المعلومة ونشر الخبر الصحيح الذي يتناسب مع الواقع ولا يخالف القانون أو الأعراف المهنية.
فالصحافة البطيئة مطلوبة اليوم باعتبارها اتجاهًا مهنيًا وأخلاقيًا، تقوم على التمهل في جمع المعلومات، ومراجعة المصادر، وفهم السياق الاجتماعي والقانوني للخبر قبل دفعه إلى الجمهور، وهو ما يعيد الاعتبار لمهنة الصحافة كخدمة معرفية للمجتمع، وليس سباقًا رقميًا على عدد المشاهدات على الإنترنت.
لقد أفرزت بيئة المنصات الرقمية اقتصادًا قائمًا على السرعة والخوارزميات، الأمر الذي عزز انتشار الأخبار المضللة والمحتوى المفبرك، خصوصًا مع تطور تقنيات التزييف العميق والذكاء الاصطناعي التوليدي.
وبالتالي، لم يعد التحدي مقتصرًا على كشف الخطأ بعد وقوعه، بل أصبح مرتبطًا ببناء منظومات مهنية وقانونية قادرة على الوقاية من التضليل قبل انتشاره، عبر التدريب المتخصص وأدوات التحقق الرقمي والتشريعات التي تحمي المجتمع من المعلومات الزائفة والشائعات التي تنتشر هنا وهناك.
أخلاقيات المهنة تتجاوز المبادئ التقليدية للصدق والدقة، لتشمل مسؤولية الصحفي في فهم أثر التكنولوجيا على الوعي العام، إضافة إلى الإفصاح المهني عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المواد الإعلامية.
ومن زاوية قانونية، تفرض هذه التحولات إعادة قراءة الأطر التشريعية الناظمة للعمل الإعلامي، بحيث تستوعب الجرائم المعلوماتية المرتبطة بالتلاعب بالمحتوى الرقمي، وتحدد المسؤولية عن نشر المواد المفبركة، سواء صدرت عن إنسان أو خوارزمية.
كما تبرز الحاجة إلى تطوير معايير دولية مشتركة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام، بما يمنع تحول التكنولوجيا إلى أداة للتضليل أو التأثير غير المشروع في الرأي العام.
إن مستقبل الصحافة لن يكون للأسرع، بل للأكثر التزامًا بالمعرفة والحقيقة؛ فالصحافة البطيئة اليوم ضرورة أخلاقية لحماية المجال العام من الفوضى المعلوماتية، حتى تبقى الصورة الصحيحة مرجعية تحمي المجتمعات ولا تؤذيها.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة