أمن أوروبا «خارج مظلة أمريكا».. ألمانيا مرشحة للقيادة بشروط
مفهوم «التحول الزمني» الذي أطلقته ألمانيا عقب اندلاع حرب أوكرانيا يشكل علامة فارقة بالتاريخ السياسي والاستراتيجي الحديث للبلد الأوروبي.
فلم يكن المصطلح، بحسب تقرير لموقع «تشاتام هاوس»، مجرد توصيف لمرحلة انتقالية عابرة أو إعلان عن تعديل محدود في أولويات الإنفاق والسياسات الدفاعية.
بل عبّر عن مراجعة جذرية لمرتكزات السياسة الألمانية التي استقرت لعقود طويلة على مبدأ التحفظ الاستراتيجي والانكفاء العسكري، مستندة إلى إرث تاريخي ثقيل جعل من الحذر في استخدام القوة جزءاً أصيلاً من هوية الدولة بعد الحرب العالمية الثانية.
إلا أن هذا التحول لم تتضح معالمه الحقيقية إلا خلال العام الأخير، مع وصول حكومة المستشار فريدريش ميرتس إلى السلطة.
وحينها، بدا جلياً أن الأمر يتجاوز حدود زيادة الموازنات العسكرية أو تحديث بعض القدرات القتالية، ليصل إلى إعادة تعريف شاملة لدور ألمانيا داخل أوروبا، وحدود مسؤوليتها في صياغة مستقبل الأمن الأوروبي.
نحو القيادة؟
لسنوات طويلة، اعتمدت ألمانيا على نموذج نفوذ قائم على الثقل الاقتصادي والقدرة الصناعية، مفضلة ممارسة التأثير عبر أدوات التجارة والاستثمار والدبلوماسية متعددة الأطراف.
بينما تركت ملفات الردع العسكري والأمن الصلب لحلفائها، وعلى رأسهم الولايات المتحدة ضمن مظلة حلف شمال الأطلسي (الناتو).
غير أن البيئة الجيوسياسية المتغيرة، بدءاً من الحرب في أوكرانيا ووصولاً إلى التوترات المتصاعدة في العلاقات عبر الأطلسي، فرضت على برلين مواجهة سؤال لم يعد بالإمكان تأجيله: هل تستطيع ألمانيا أن تتحول من قوة اقتصادية كبرى إلى فاعل استراتيجي قادر على القيادة؟
وهذا السؤال لا يتعلق بالإمكانات المادية بقدر ما يتعلق بالإرادة السياسية والثقافة المؤسسية والاستعداد النفسي لتحمل أعباء القيادة الأمنية في قارة باتت تواجه تحديات وجودية، وفق الموقع.
من الناحية النظرية، لا تفتقر ألمانيا إلى المقومات اللازمة للقيام بهذا الدور. فهي أكبر اقتصاد في أوروبا، وتمتلك قاعدة صناعية متقدمة، وموارد مالية ضخمة، وموقعاً مركزياً يجعلها قلب المنظومة الأوروبية.
ولهذا تبدو برلين، بحكم الوزن الجغرافي والاقتصادي، المرشح الطبيعي للعب دور محوري في أي مشروع أوروبي يسعى إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي.
وقد بدأت بالفعل خطوات عملية تعكس هذا التوجه، أبرزها إنشاء صندوق دفاعي خاص بقيمة مئة مليار يورو لتحديث الجيش الألماني، والمضي في صفقة شراء مقاتلات الشبح من طراز "إف-35 لايتنينغ 2" من إنتاج شركة لوكهيد مارتن لتحل محل أسطول طائرات "تورنادو" ضمن ترتيبات المشاركة النووية للحلف.
إلى جانب ارتفاع الإنفاق الدفاعي بما يتجاوز عتبة اثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وقبل سنوات قليلة فقط، كانت مثل هذه الإجراءات تبدو أقرب إلى فرضيات نظرية منها إلى قرارات سياسية قابلة للتنفيذ.
تحديات داخلية
غير أن بناء القوة لا يقتصر على تخصيص الأموال أو شراء المعدات، فالقوة العسكرية الحقيقية تتطلب عقيدة استراتيجية واضحة، وهياكل مؤسسية مرنة، وقدرة على تحويل الموارد إلى جاهزية عملياتية، وهنا تحديداً تظهر المعضلة الألمانية.
فرغم إصدار وثائق أمنية واستراتيجية جديدة، من بينها استراتيجية الأمن القومي لعام 2023، لا تزال برلين تفتقر إلى عقيدة عسكرية متماسكة تحدد بوضوح أولوياتها الدفاعية وحدود التزاماتها الخارجية، وتحسم الخيارات الصعبة بين الدفاع الإقليمي، والمشاركة في العمليات الخارجية، وبناء قاعدة صناعية دفاعية مستدامة.
وبدلاً من صياغة رؤية مستقلة، ما تزال ألمانيا تعتمد بدرجة كبيرة على التخطيط الجماعي داخل حلف «الناتو» وعلى الضمانات الأمريكية، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على تغير المزاج السياسي في واشنطن، وتصاعد الدعوات الأمريكية لتحمل الأوروبيين قدراً أكبر من مسؤولية أمنهم.
وهذا التناقض يتجلى بوضوح في واقع الجيش الألماني، أو "البوندسفير"، الذي لا يزال يعاني فجوة عميقة بين الموارد المخصصة له ومستوى جاهزيته الفعلية.
فرغم التدفقات التمويلية غير المسبوقة، ما تزال مشكلات النقص في الذخائر، والتأخير في تسليم المعدات، وضعف البنية اللوجستية، تعرقل جهود التحديث.
كما أن تعهد ألمانيا بنشر لواء قتالي دائم في ليتوانيا كشف عن حجم التحديات التي تواجهها في ترجمة التزاماتها السياسية إلى قدرة ميدانية حقيقية، في ظل إرهاق الوحدات القائمة وبطء عمليات التجهيز والتعبئة.
وفي عالم تتحدد فيه المكانة الاستراتيجية بمدى سرعة تحويل الإنفاق إلى قدرة قابلة للنشر، ما تزال ألمانيا في مرحلة انتقالية شاقة لم تنجح بعد في اجتيازها بالكامل.
لكن التحدي الألماني لا يقتصر على المؤسسة العسكرية، فإعادة التسلح ليست قراراً مالياً قصير الأجل، بل خيار استراتيجي طويل الأمد يحتاج إلى توافق سياسي واجتماعي واسع.
وهنا تواجه برلين واقعاً داخلياً معقداً، يتمثل في تفتت المشهد الحزبي، وتراجع شعبية الحكومة، وصعود حزب "البديل من أجل ألمانيا"، بما يهدد بتحويل الملف الدفاعي إلى ساحة استقطاب أيديولوجي.
وقد ظهر هذا بوضوح في الجدل الطويل الذي رافق قرار إرسال دبابات "ليوبارد 2" إلى أوكرانيا، حين تحول قرار استراتيجي ملح إلى مفاوضات داخلية معقدة لم تُحسم إلا بعد ضغوط خارجية وموافقة أمريكية ضمنية.
ومثل هذه الوقائع تثير تساؤلات جدية حول قدرة ألمانيا على اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة في بيئة أمنية تتطلب الاستجابة الفورية، بحسب الموقع.
تعقيدات خارجية
في السياق الأوروبي، فإن صعود الدور الألماني لن يكون مساراً خالياً من التعقيدات، فبينما يتطلع الشركاء الأوروبيون إلى برلين باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على توفير الموارد اللازمة لتعزيز الدفاع الأوروبي، فإنهم في الوقت ذاته يتحسبون من أي نزعة هيمنة ألمانية.
وسيظل التنسيق مع فرنسا، بقيادة الرئيس إيمانويل ماكرون، عاملاً حاسماً في تحديد شكل هذا الدور، كما ستواصل دول شرق أوروبا الترحيب بالدعم الألماني مع الإبقاء على قدر من الحذر إزاء أي تردد محتمل.
ويمثل احتمال سحب نحو خمسة آلاف جندي أمريكي من ألمانيا تطوراً من شأنه أن يضيف بعداً جديداً إلى معادلة التحول الدفاعي الألماني، إذ سيحمل دلالات استراتيجية تتجاوز البعد العسكري المباشر إلى رسائل سياسية واضحة بشأن طبيعة الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا.
فعلى مدى عقود، شكّل الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا أحد الأعمدة الأساسية لمنظومة الردع الغربية، ليس فقط من حيث القدرات العملياتية التي يوفرها، بل أيضاً باعتباره تجسيداً مادياً للشراكة الأمنية عبر الأطلسي.
وبالتالي، فإن أي تقليص لهذا الوجود، حتى وإن جاء في إطار إعادة تموضع تكتيكي للقوات الأمريكية، سيُقرأ في برلين والعواصم الأوروبية باعتباره مؤشراً إضافياً على أن واشنطن تتجه تدريجياً إلى إعادة توزيع أولوياتها الاستراتيجية، بما يفرض على أوروبا، وألمانيا تحديداً، تسريع جهود بناء قدرات دفاعية أكثر استقلالاً وقدرة على سد الفراغ المحتمل.
«التحول الزمني»
بالنسبة لألمانيا، فإن مثل هذه الخطوة ستضع اختباراً عملياً أمام جدية "التحول الزمني" الذي أعلنته برلين منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
فغياب جزء من المظلة العسكرية الأمريكية سيكشف سريعاً حجم الفجوة بين الموارد المالية التي رُصدت لإعادة تسليح الجيش الألماني وبين الجاهزية العملياتية الفعلية للقوات المسلحة.
كما سيزيد الضغوط السياسية الداخلية على الحكومة الألمانية لحسم خياراتها الاستراتيجية بصورة أكثر وضوحاً، سواء عبر تسريع تحديث البوندسفير، أو عبر الدفع نحو صياغة عقيدة دفاعية أوروبية أكثر تماسكا بالتنسيق مع الشركاء الأوروبيين، وعلى رأسهم فرنسا.
وفي الوقت نفسه، قد يعمّق هذا السيناريو الانقسام داخل المشهد السياسي الألماني بين تيار يرى في الانكفاء الأمريكي دافعاً لتعزيز الاستقلال الدفاعي، وآخر يفضل الإبقاء على أقصى درجات الارتباط بالمظلة الأطلسية.
وهذا الطرح يجعل من أي انسحاب أمريكي جزئي عاملاً كاشفاً ليس فقط لقدرات ألمانيا العسكرية، بل أيضاً لمدى استعدادها السياسي والنفسي لتحمل مسؤوليات القيادة الأمنية في أوروبا.