ألمانيا تُعيد عقارب الساعة لزمن الحرب الباردة.. خطة لصد «هجوم روسي»
كشفت تقارير إعلامية غربية، من بينها "نيوزويك" و"وول ستريت جورنال"، عن خطة ألمانية ضخمة وضعت في 1200 صفحة، تهدف إلى إعداد البلاد
- وحلف شمال الأطلسي بأكمله - لاحتمال اندلاع مواجهة مباشرة مع روسيا.
الخطة، التي أعدّها قادة الجيش الألماني على مدى عامين ونصف، تعكس تحوّلاً جذرياً في التفكير الأمني الألماني، وابتعادًا واضحًا عن عقلية “زمن السلم” التي سادت منذ نهاية الحرب الباردة، بحسب مجلة "نيوزويك".
تعمل الوثيقة، المعروفة باسم خطة العمليات الألمانية، على وضع آليات دقيقة لتحريك قرابة ألف جندي من قوات الناتو، بما في ذلك القوات الأمريكية، من غرب أوروبا إلى شرقها عبر الأراضي الألمانية في حال وقوع هجوم روسي. وتعتمد الخطة على منظومة لوجستية معقدة تشمل الموانئ والطرق السريعة والجسور والسكك الحديدية والأنهار، وتدمج بين القدرات العسكرية والمدنية لضمان حركة سلسة وسريعة للتعزيزات.
ويرى قادة الجيش أن ألمانيا - بحكم موقعها الجغرافي - ستكون الممر الأساسي لأي عملية دفاعية غربية، وأن نجاح الناتو في أي مواجهة مقبلة لن يعتمد فقط على التفوق العسكري، بل على القدرة على تنفيذ عمليات نقل هائلة للقوات والمعدات عبر أوروبا.
وتتبنّى الخطة نهجًا شاملًا يوحّد بين المؤسسات المدنية والعسكرية، في نموذج يستعيد روح الحرب الباردة ولكن بصيغة محدثة. ويقول مسؤولون ألمان إن روسيا قد تكون قادرة على مهاجمة دولة عضو في الناتو بحلول عام 2028، وهو ما يجعل الاستعدادات الحالية أولوية قصوى.
وقد شدد المستشار الألماني فريدريش ميرتس مؤخرًا على أن التهديدات حقيقية، قائلا: "لسنا في حالة حرب، لكننا أيضًا لا نعيش في زمن السلم".
عقبات لوجستية وبنية تحتية متداعية
كما تكشف الوثيقة عن واحدة من أخطر الإشكالات التي تواجه برلين والمتمثلة في تدهور البنية التحتية الألمانية. وتشير البيانات إلى أن 20 في المئة من الطرق السريعة وأكثر من ربع الجسور تحتاج إلى إصلاحات عاجلة، وأن كثيرًا من الهياكل الحالية غير قادر على تحمل أوزان المركبات العسكرية الثقيلة.
وتبرز أمثلة عديدة على هذا التدهور، من بينها الطريق السريع الفيدرالي A44، الذي كان ممرًا طارئًا للطائرات خلال الحرب الباردة، لكنه اليوم يعاني من اهتراءات حادة. كما تواجه الموانئ الألمانية حاجة لصيانة بقيمة 15 مليار يورو، ما يعرقل حركتها في حالات الطوارئ.
ومما يفاقم الوضع الحوادث المتكررة، مثل اصطدام سفينتين خلال عام 2024 بجسر للسكك الحديدية فوق نهر هونتي، ما أدى إلى إغلاق خطوط حيوية وتعطيل شحنات الذخيرة المتجهة إلى أوكرانيا وتحويلها إلى موانئ بديلة.
وخلال تدريبات ميدانية نفذتها القوات الألمانية الخريف الماضي، أُقيم مخيم عسكري مؤقت لـ500 جندي خلال أسبوعين، لكن التجربة كشفت مشكلات عديدة مثل عدم قدرة الأرض على استيعاب المعدات الثقيلة، وحاجة القوات إلى نقل الجنود بالحافلات، وحتى اضطرار السلطات إلى تركيب إشارات مرورية جديدة لتسهيل تحرك الآليات.
وتعمل القيادة العسكرية على دمج تلك الدروس في النسخة المحدّثة من الخطة، المحفوظة على شبكة إلكترونية مغلقة تُعرف بـ"الشبكة الحمراء".
معوقات قانونية وبيروقراطية
الخطة لا تواجه تحديات ميدانية فحسب، بل عقبات تنظيمية أيضًا. فالقوانين الألمانية الخاصة بحماية البيانات، والإجراءات المتعلقة باستخدام الطائرات المسيّرة، واللوائح التي صُممت لحقبة أكثر سلمًا، جميعها تعرقل جاهزية البلاد للعمل العسكري السريع.
ويشير مسؤولون إلى أن الطائرات المسيّرة العسكرية الألمانية - وفق القانون - يجب أن تحمل أضواء تحديد مواقع، وهو أمر يحدّ من فعاليتها في العمليات القتالية.
هجمات تخريبية وتحديات أمنية داخلية
تتعامل ألمانيا بالفعل مع موجة متصاعدة من الهجمات التخريبية التي تستهدف السكك الحديدية والبنى التحتية. ففي أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، صدر حكم بالسجن في ميونيخ بحق رجل خطط لتخريب منشآت عسكرية لحساب روسيا. وتضطر أجهزة الاستخبارات لإجراء نحو 10 آلاف فحص أمني سنويًا للعاملين في القطاعات الحساسة لحمايتها من التغلغل.
وفي تدريبات “ريد ستورم برافو” بمدينة هامبورغ، واجهت القوات سيناريوهات تشمل هبوط قوات من الناتو، وهجمات بطائرات مسيّرة، واحتجاجات عنيفة، بينها محاولة متظاهرين تعطيل القوافل العسكرية عبر الالتصاق بالأسفلت باستخدام مواد لاصقة، ما تسبب بتأخير كبير في حركة القوات.
ويؤكد ضباط كبار أن الهدف من الخطة ليس التحضير لحرب، بل منعها عبر إرسال رسالة واضحة لموسكو بأن أي هجوم سيواجه بنية لوجستية أوروبية قوية ومرنة تجعل الانتصار الروسي مستحيلاً.
ويشير نائب وزير الدفاع الألماني نيلس شميد إلى الحاجة لاستعادة خبرات الماضي، قائلاً: “علينا أن نتعلم من جديد ما نسيناه… نستعين بالمتقاعدين ليخبرونا كيف كنا نفعل ذلك”.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTUzIA== جزيرة ام اند امز