قفزات تاريخية للذهب والفضة.. منح «تجارة تآكل العملة» وأزمة غرينلاند
سجّلت أسواق المعادن النفيسة موجة صعود غير مسبوقة، مع اندفاع المستثمرين بقوة نحو الذهب والفضة.
وذلك في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بأزمة غرينلاند، وعودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى استخدام سلاح الرسوم الجمركية كأداة ضغط سياسي واقتصادي. وأعاد هذا المشهد إلى الواجهة مخاوف واسعة من اضطراب الأسواق العالمية وتراجع الثقة في العملات الرئيسية.
وقاد الذهب موجة الصعود، مسجلاً مستويات قياسية جديدة مع ارتفاع الطلب عليه كملاذ آمن في أوقات عدم اليقين. وجاء هذا الارتفاع بالتزامن مع قلق المستثمرين من احتمالات اندلاع مواجهة تجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بعد تهديدات واشنطن بفرض تعريفات جمركية واسعة على واردات أوروبية، في سياق نزاع سياسي متشابك حول مستقبل جزيرة غرينلاند.
في الوقت نفسه، شهدت الفضة ارتفاعًا حادًا تجاوز مكاسب الذهب نسبيًا، مدفوعة بعاملين متلازمين: تصاعد الطلب الاستثماري عليها كأصل وقائي، وتزايد الطلب الصناعي، لا سيما من قطاعات الطاقة المتجددة والإلكترونيات. ويرى محللون أن الفضة تستفيد حاليًا من كونها تجمع بين صفة “الملاذ الآمن” والدور الصناعي الحيوي، ما يجعلها أكثر حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية.
تجارة تآكل العملة
ويعكس هذا الصعود المتسارع ما يصفه خبراء الأسواق بـ”تجارة تآكل العملة”، حيث يتجه المستثمرون إلى الأصول الملموسة تحسبًا لانخفاض القوة الشرائية للنقود، في ظل سياسات مالية توسعية، وارتفاع مستويات الدين، وضغوط سياسية متزايدة على البنوك المركزية. وتزايدت هذه المخاوف مع تصاعد الخطاب السياسي الحاد في واشنطن، وما يحمله من إشارات إلى تدخلات محتملة في السياسة النقدية.
كما لعبت التطورات الجيوسياسية دورًا مكملًا في دفع الأسعار، إذ يرى متعاملون أن ربط الملفات السيادية الحساسة، مثل غرينلاند، بإجراءات تجارية عقابية، يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار العالمي. ودفع هذا المناخ رؤوس الأموال إلى الخروج من الأصول عالية المخاطر، مثل الأسهم، والتوجه نحو المعادن النفيسة التي تُعد مخزنًا تقليديًا للقيمة في أوقات الأزمات.
من جانب آخر، ساهمت عوامل تتعلق بالمعروض في تعزيز مكاسب الفضة على وجه الخصوص، وسط إشارات إلى وجود عجز هيكلي في الإنتاج العالمي، نتيجة ضعف الاستثمارات في قطاع التعدين خلال السنوات الماضية. ومع تنامي الطلب الصناعي، تبدو الأسواق أقل قدرة على امتصاص أي صدمات جديدة في الإمدادات، ما يزيد من حدة التقلبات السعرية.
وفي المقابل، أظهرت الأسواق المالية قدرًا من التوتر، مع تراجع مؤشرات الأسهم في عدد من البورصات العالمية، في حين عززت السندات والمعادن الثمينة مكانتها كملاذات آمنة. ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس حالة من القلق العميق حيال المسار الاقتصادي العالمي، خاصة إذا ما تحولت التهديدات الجمركية إلى قرارات فعلية.
ومع استمرار التصعيد السياسي وعدم وضوح مآلات الأزمة، يرجّح محللون أن تبقى أسعار الذهب والفضة مدعومة خلال الفترة المقبلة، في انتظار ما إذا كانت الدبلوماسية ستنجح في احتواء التوتر، أم أن العالم مقبل على مرحلة جديدة من الاضطرابات التجارية والنقدية ذات الكلفة العالية على الاقتصاد العالمي.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNTYg جزيرة ام اند امز