إيران والإخوان في قلب حرب السودان.. مصالح متقاطعة وتهديد عابر للحدود
تواجه أفريقيا لحظة مفصلية في مسارها الاستراتيجي. فعلى الرغم مما تمتلكه القارة من ثروات طبيعية هائلة، وقوة ديموغرافية صاعدة، وموقع جيوسياسي متزايد الأهمية، فإنها باتت في الوقت ذاته ساحة مفتوحة لتدخلات خارجية وشبكات عابرة للحدود تزدهر في بيئات الدولة الهشة
ومن منطقة الساحل إلى القرن الأفريقي، يتوسع نفوذ جماعات مسلحة ذات مرجعيات متطرفة، غالبًا ما تتقاطع مع شبكات الإسلام السياسي المرتبطة بجماعة الإخوان، وبدعم مباشر أو غير مباشر من إيران، وفقا لموقع "باورز أوف أفريقيا".
وفي هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى حرب السودان باعتبارها أزمة داخلية معزولة، بل بوصفها اختبارًا حاسمًا لمستقبل الاستقرار في أفريقيا، مع تداعيات محتملة تمتد إلى أوروبا.
فالصراع الدائر في السودان منذ أبريل/نيسان 2023 لا يقتصر، كما يُقدَّم غالبًا، على مواجهة عسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. فخلف هذا المشهد الثنائي، تبرز بنية أيديولوجية وتنظيمية أعمق، تتمثل في الحضور التاريخي والمتجدد لجماعة الإخوان داخل مؤسسات الدولة السودانية.
ويشير مراقبون إلى أن ما يجري اليوم هو امتداد لمشروع طويل الأمد سعت من خلاله الجماعة إلى السيطرة على مفاصل الدولة، سواء عبر التغلغل المؤسسي، أو التحالفات الإقليمية، أو استخدام القوة المسلحة عند الضرورة.
ومنذ اندلاع الحرب، لم تكتفِ الشبكات المرتبطة بالإخوان بدعم الجيش سياسيًا، بل اندمجت فعليًا في بنيته العملياتية. فقد جرى حشد آلاف من ضباط الاستخبارات السابقين، والكوادر الإسلامية، ومسلحين شاركوا في نزاعات سابقة، وأُعيد تنظيمهم ضمن تشكيلات مسلحة ذات طابع أيديولوجي، من بينها كتيبة البراء بن مالك، إلى جانب مجموعات أخرى مثل «درع الوطن» و«درع الشمال».
وتشير تقارير متعددة إلى أن هذه التشكيلات تلقت دعمًا بالسلاح والتمويل عبر قنوات رسمية، ما أدى إلى تآكل الفاصل بين القوات النظامية والميليشيات العقائدية.
سياسيًا وإعلاميًا، لعبت القوى المحسوبة على جماعة الإخوان دورًا محوريًا في إفشال محاولات التهدئة، ورفض مسارات التفاوض، ونزع الشرعية عن أي بدائل مدنية.
وقد صُوِّرت الحرب باعتبارها معركة وجود ضد «عملاء الخارج» و«أعداء الدين»، في خطاب تعبوي يُستخدم لتبرير إطالة أمد الصراع وإعادة تقديم الجماعة بوصفها شريكًا لا غنى عنه في «الدفاع الوطني». وأسهم إنشاء ما سُمّي بهياكل «المقاومة الشعبية»، التي حظيت بغطاء رسمي، في إعادة إدماج الجماعة داخل الدولة بعد تفكيك حزبها الحاكم السابق (حزب المؤتمر الوطني).
هذا النمط ليس جديدًا في التجربة السودانية. ففي تسعينيات القرن الماضي، تحوّل السودان، تحت حكم الإسلام السياسي، إلى إحدى أكثر البيئات تساهلًا مع شبكات التطرف العابر للحدود. وخلال تلك الفترة، استضافت الخرطوم أسامة بن لادن، ووفرت لتنظيم القاعدة غطاءً سياسيًا وماليًا ولوجستيًا مكّنه من بناء بنية تحتية واسعة.
ولم تقتصر تداعيات ذلك على الداخل السوداني، بل ارتبط اسم البلاد لاحقًا بسلسلة هجمات إرهابية كبرى، ما أدى إلى تصنيفها دولة راعية للإرهاب لسنوات طويلة. ورغم الفروق الأيديولوجية بين الإخوان وتنظيم القاعدة، إلا أن التقاطع التكتيكي بينهما كان واضحًا، في ظل دولة توفر الملاذ والحماية.
وتتجلى قدرة جماعة الإخوان على العمل كوسيط إقليمي للحركات المسلحة في علاقتها بحركة حماس. فمنذ أوائل التسعينيات، شكّل السودان مركزًا سياسيًا وماليًا ولوجستيًا للحركة، بدعم مباشر من قيادات إخوانية بارزة.
وبعد سقوط نظام عمر البشير عام 2019، كشفت السلطات عن شبكة واسعة من الشركات والاستثمارات المرتبطة بحماس، وصادرت أصولًا بملايين الدولارات، كما أكدت تقارير دولية تحويلات مالية كبيرة من السودان إلى الحركة.
أما العلاقة مع إيران، فقد اتسمت ببراغماتية تتجاوز الخلافات المذهبية. فقد استخدم السودان، خلال فترات سابقة، كممر لتهريب الأسلحة الإيرانية إلى غزة، ما منح طهران موطئ قدم استراتيجيًا في أفريقيا، مقابل حصول شبكات الإخوان على دعم وموارد ونفوذ إقليمي. ويشير هذا التحالف إلى أن المصالح المشتركة غالبًا ما تتقدم على الاعتبارات العقائدية، وفقا لموقع "باورز أوف أفريقيا".
في ضوء هذه المعطيات، يرى محللون أن جماعة الإخوان ليست مجرد عنصر ضغط خارجي على القيادة العسكرية السودانية، بل تشكل ركيزة أساسية لها، عبر توفير المقاتلين، والخبرة التنظيمية، والخطاب السياسي، والشبكات العابرة للحدود.
وفي المقابل، تضفي القيادة العسكرية على الجماعة صبغة الشرعية وتوفر لهم إمكانية الوصول إلى السلاح ومؤسسات الدولة، في صيغة تعيد إلى الأذهان معادلة الحكم خلال عهد البشير.
وتتجاوز تداعيات هذا المشهد حدود السودان. فبلد يعاني من الانهيار المؤسسي، وتُهيمن عليه قيادات محسوبة على الإخوان، مرشح للتحول إلى مركز ارتكاز للتطرف وعدم الاستقرار في أفريقيا، من الساحل إلى شرق القارة.
ومع تصاعد الهجرة غير النظامية، والاقتصادات غير المشروعة، والصراعات بالوكالة، لن تكون أوروبا بمنأى عن هذه التداعيات.
وعليه، تبدو حرب السودان إنذارًا مبكرًا لما قد تواجهه أفريقيا إذا لم تُعالج جذور الأزمة، وفي مقدمتها تداخل الأيديولوجيا المسلحة مع مؤسسات الدولة. فما لم تُكسر هذه الحلقة، سيظل السلام هشًا، وستبقى القارة عرضة لدوامات جديدة من العنف وعدم الاستقرار.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNTYg جزيرة ام اند امز