البكاء في صمت.. كيف سطر شكسبير حزنه الأبوي من خلال فيلم«Hamnet»
تتجه أنظار العالم بعد قليل إلى حفل الأوسكار في 15 مارس/آذار 2026، بينما يتقدم فيلم «Hamnet» موسم الجوائز بثمانية ترشيحات.
وتداول عدد كبير من مشاهدي فيلم "Hamnet" عبر منصات التواصل الاجتماعي تأثير المشاعر العميقة التي يثيرها العمل السينمائي. أعرب أحد مستخدمي Reddit عن أن مشاهدة الفيلم كانت تجربة "خارجة عن نطاق الجسد"، بينما كتب آخر على منصة X أنه خرج من العرض "مبللاً بالدموع" و"يبكي بشكل هستيري طوال الطريق إلى المنزل". وذكرت كاتبة عمود في صحيفة نيويورك تايمز، سارة وايلدمان، أن الفيلم جعلها "تنهار باكية على مقعدها".
يستند فيلم "Hamnet"، الذي أخرجته كلوي تشاو مقتبساً من رواية ماجي أوفاريل الصادرة عام 2020، إلى وفاة ابن ويليام شكسبير الأصغر، هامنت، عن عمر يناهز 11 عاماً نتيجة الطاعون الدملي. يركز الفيلم على التأثير العميق لهذه الخسارة على عائلة شكسبير، مع الإشارة إلى أن وفاة هامنت أسهمت في نشأة مسرحية شكسبير التراجيدية الشهيرة "هاملت".
الحزن الأبوي
يعرض الفيلم صورة حميمية لحياة شكسبير الشخصية، مع بعض العناصر الخيالية. يتتبع الفيلم علاقة شكسبير وزوجته، المعروفة باسم آن والتي أعيدت تسميتها في الفيلم باسم أغنيس، وحياتهما الزوجية التي شملت ولادة ثلاثة أطفال ووفاة هامنت الصغير.
يتضح من الفيلم أن الزواج واجه تحديات نتيجة اختلاف طريقة الزوجين في التعامل مع حزن وفاة الابن. ترى أغنيس أن شكسبير، الذي كان في لندن يكتب المسرحيات عند وفاة هامنت، لم يعبر عن حزنه بشكل مناسب، بينما يُظهر الفيلم أن رغبتها في البقاء في المنزل القديم المهترئ مرتبطة بتمسكها بذكرى ابنها.
يضع الفيلم أغنيس في مركز الحدث بشكل ملحوظ، رغم أنها غالباً ما تُذكر في ذاكرة الجمهور على أنها تلقت من شكسبير "السرير الثاني الأفضل". يظهر حبها العميق لأطفالها من خلال رعايتها الدائمة لهم في الصحة والمرض والموت.
مع ذلك، لا يكون الفيلم مكتمل الأثر بدون شكسبير، حيث يظهر تأثير عدم قدرته على التعبير عن حزنه على أغنيس، فتفقد ثقتها في زوجها الذي يظهر لها فجأة وكأنه شخص بارد ومهووس بعمله.
الرجولة بين الماضي والحاضر
تشير الدراسات الأدبية إلى أن التعبير عن الحزن كان محكوماً بمعايير اجتماعية محددة للرجال. ففي دراسة نشرت عام 1996 بعنوان "Telling Tears in the English Renaissance"، أوضحت الباحثة الأدبية مارجوري إي لانج أن الرجال في زمن شكسبير الذين يبكون قد يُنظر إليهم على أنهم متصنعون وضعفاء، بينما في الوقت نفسه كان البكاء العام يُفسر أحياناً على أنه طلب اهتمام، حتى لو كان الشخص مفعماً بالمشاعر.
كما تشير الباحثة جينيفر فوت في كتابها "Masculinity and Emotion in Early Modern English Literature" إلى أن الرجال في حياة شكسبير كانوا متوقعاً أن يظهروا صلابة في حزنهم، رغم وجود حالات أدبية يظهر فيها البكاء كوسيلة لتغيير إيجابي في الشخصية، كما في مسرحية "The Winter’s Tale" حيث تساعد دموع الملك ليونتيس على تحوله من ملك غيور إلى أب وزوج محب.
الترشيحات للأوسكار

نجاح "Hamnet" لم يكن مجرد اعتراف فني، بل حصل فيلم "Hamnet" على ترشيحات في فئات: أفضل فيلم، أفضل إخراج للمخرجة كلوي تشاو، أفضل ممثلة لجيسي باكلي، أفضل سيناريو مقتبس، الكاستينغ، الموسيقى الأصلية، تصميم الأزياء، وتصميم الإنتاج، ما عزز موقعه كمنافس جاد على عدد من الجوائز العالمية الكبرى.
الحزن بين شكسبير وهاملت
يستعرض كل من فيلم "Hamnet" ومسرحية "هاملت" القلق الذي يختبره الرجال عند التعبير عن الحزن، ويبرزان في الوقت نفسه الطرق التي يمكن من خلالها للحزن أن يتحول إلى تجربة بناءة وعاطفية.
في "هاملت"، يتعرض هاملت لانتقادات بسبب أسلوب حزنه، بينما يظهر في "Hamnet" أن شكسبير يعيش حزنه بطريقة خاصة، مركّزاً على العمل والكتابة لتجاوز ألم فقدان ابنه. تكشف النهاية أن شكسبير كان يعيش في ظروف متدهورة في لندن، وهو ما يوضح أن الحزن كان يُعاش في صمت بعيداً عن أعين الآخرين، ويتحول هذا الحزن إلى عمل فني عام من خلال مسرحية "هاملت"، حيث يمثل العمل بمثابة تعبير مشفر عن حبه لأغنيس ولابنهما الراحل وحزنه العميق.
الفن والحزن الذكوري
يوضح الفيلم أن الرجال يمكنهم التعبير عن الحزن بطرق متنوعة، وأن هذا الحزن قادر على إنتاج فن مؤثر يجذب الجمهور للتفاعل العاطفي معه. يعكس الفيلم قدرة الرجال على خلق أعمال فنية مؤثرة، ويعيد تعريف المشاعر الذكورية بعيداً عن الصور النمطية، ليجعل من الحزن تجربة مشتركة تحمل أبعاداً إنسانية وفنية.
هذا العام، يبرز فيلم "Hamnet" كأحد أبرز عناوين جوائز الأوسكار، بعد أن حصل على ثمانية ترشيحات دفعة واحدة، في إنجاز فني واستثماري يعكس تنامي الحضور الإماراتي في صناعة المحتوى العالمي عبر شركة RedBird IMI، إحدى شركات مجموعة IMI الإماراتية.