الفيزياء الخفية قد تحسم الفوز في كأس العالم.. لماذا تتغير مسارات بعض الكرات فجأة؟ (خاص)
في كل بطولة لكأس العالم، تظهر أهداف تبقى عالقة في الذاكرة لسنوات طويلة،فقد تنطلق كرة نحو المرمى ثم تنحرف فجأة بعيداً عن متناول الحارس، أو تسديدة تبدو وكأنها تتراقص في الهواء قبل أن تستقر في الشباك.
بالنسبة للمشجعين، تبدو هذه اللحظات أقرب إلى السحر. أما بالنسبة للعلماء، فهي نتيجة لقوانين فيزيائية دقيقة تحكم حركة الكرة والهواء المحيط بها.
ويقول د.منير عطية، أستاذ فيزياء الحركة بجامعة الزقازيق (شمال شرق القاهرة): " في الواقع، لا تتحرك الكرة داخل الملعب وحدها، بل تخوض أثناء طيرانها معركة معقدة مع الهواء، تتحكم فيها سرعة التسديد ومعدل دوران الكرة وشكلها الخارجي وحتى الظروف الجوية المحيطة بالمباراة".

قوة خفية تدفع الكرة نحو الشباك
ويوضح أنه " عندما يسدد اللاعب الكرة مع منحها دوراناً جانبياً، تبدأ إحدى أشهر الظواهر الفيزيائية في العمل، وهي ما يعرف بـ"تأثير ماغنوس".
ويحدث ذلك لأن دوران الكرة يجعل الهواء يتحرك بسرعات مختلفة على جانبيها، فينشأ فرق في الضغط يدفع الكرة إلى الانحراف عن مسارها المستقيم، كما يوضح.
ولم يعد هذا التفسير مجرد نظرية فيزيائية. ففي دراسة نشرت عام 2025 في مجلة " كومبيوتيشنال ميكانيكس "، استخدم باحثون نماذج حاسوبية متطورة لمحاكاة الركلات الحرة، وأظهروا أن التغيرات البسيطة في سرعة دوران الكرة أو زاوية دورانها يمكن أن تؤدي إلى فروق كبيرة في مسارها النهائي. وأكدت النتائج أن قوة ماغنوس قادرة على تحويل تسديدة عادية إلى كرة مقوسة يصعب على الحارس توقع مكان وصولها.
ولهذا السبب يستطيع اللاعبون المهرة إرسال الكرة فوق الحائط البشري ثم إعادتها نحو المرمى في جزء من الثانية، كما شهدت جماهير كأس العالم مراراً في أهداف الركلات الحرة الشهيرة.
لماذا يبدو أن الكرة تنعطف في اللحظة الأخيرة؟
وكثيراً ما يصف المعلقون الكرويون بعض الأهداف بعبارة "الكرة غيرت اتجاهها فجأة"، لكن د.عطية يقول إن ما يحدث أكثر تعقيداً من ذلك.
فالكرة تبدأ بالانحراف منذ لحظة مغادرتها قدم اللاعب، إلا أن عين الإنسان لا تدرك هذا التغير بوضوح إلا عندما تصبح الكرة قريبة من المرمى.
ومع اقترابها من الحارس، يؤدي أي انحراف بسيط إلى تغير كبير في نقطة الوصول النهائية، فيبدو الأمر وكأن الكرة اتخذت قراراً مفاجئاً بتغيير مسارها خلال الأمتار الأخيرة.

كيف تظهر الكرة المجنونة؟
لكن بعض التسديدات الشهيرة في كأس العالم لا تعتمد على الدوران الكبير للكرة، بل على العكس تماماً.
فهناك نوع من الركلات يعرف باسم "ناكل بول" أو "الكرة المجنونة"، يتعمد فيه اللاعب تسديد الكرة بأقل قدر ممكن من الدوران.
وفي هذه الحالة تصبح الكرة أكثر حساسية للاضطرابات الهوائية المحيطة بها، فتبدأ بالتحرك بصورة غير مستقرة يصعب توقعها.
وقد أثبتت دراسة نشرت عام 2022 في مجلة " سينسورز " هذه الظاهرة عملياً باستخدام كرة ذكية مزودة بمستشعرات وآلة إطلاق ميكانيكية. وأظهرت النتائج أن الكرة منخفضة الدوران تتعرض لتقلبات مستمرة في القوى الهوائية أثناء طيرانها، ما يؤدي إلى حركات جانبية مفاجئة تشبه تماماً تلك التي يشاهدها الجمهور في بعض الركلات الحرة الشهيرة.
وبحسب د.عطية ، فإن هذه الانحرافات ليست خداعاً بصرياً، بل نتيجة مباشرة لتغيرات حقيقية في تدفق الهواء حول الكرة أثناء تحليقها.
تصميم الكرة قد يغير النتيجة
لا تتوقف القصة عند قدم اللاعب، فحتى شكل الكرة نفسها يمكن أن يؤثر في طريقة تحليقها.
ففي دراسة نشرت في مجلة "هيليون"، حلل باحثون تأثير عدد الألواح السطحية وشكلها والنتوءات الدقيقة الموجودة على سطح الكرة، ووجدوا أن هذه التفاصيل الصغيرة تغير الطريقة التي ينفصل بها الهواء عن سطح الكرة أثناء الحركة.
ويعني ذلك أن كرتين مختلفتين قد تسلكان مسارين مختلفين رغم تسديدهما بالسرعة والقوة نفسيهما.
ولهذا السبب أثارت بعض كرات كأس العالم جدلاً واسعاً بين اللاعبين والحراس. فقد أظهرت دراسة بعنوان " الخصائص الديناميكية الهوائية لكرات كأس العالم الحديثة التابعة للفيفا، أن التطورات التي طرأت على تصميم كرات البطولات الحديثة غيرت خصائص السحب الهوائي والرفع، ما أثر بصورة مباشرة على استقرار الكرة أثناء الطيران.
وكانت كرة "جابولاني" المستخدمة في كأس العالم 2010 من أشهر الأمثلة على ذلك، إذ اشتكى عدد من حراس المرمى من صعوبة التنبؤ بمسارها مقارنة بكرات البطولات السابقة.
الهواء ليس ثابتاً كما نعتقد
ويقول د.عطية إنه " إلى جانب تصميم الكرة، تلعب الظروف الجوية دوراً مهماً في تحديد مسار التسديدات، فسرعة الرياح وكثافة الهواء ودرجة الحرارة والرطوبة والارتفاع عن سطح البحر تؤثر جميعها في القوى الهوائية المحيطة بالكرة".
وفي بعض المدن المرتفعة أو الحارة، يمكن أن تختلف استجابة الكرة للركلات الحرة مقارنة بملاعب أخرى، وهو ما يجعل ظروف اللعب نفسها عاملاً إضافياً قد يؤثر في نتائج المباريات.

الفيزياء التي قد تحسم كأس العالم
المفارقة أن المشكلة لا تتعلق بسرعة الكرة فقط، فالحارس يعتمد على توقع مكان وصولها قبل أن تصل فعلياً بجزء من الثانية.
لكن الدراسات الخاصة بالإدراك البصري تشير إلى أن الدماغ يبني توقعاته اعتماداً على المسار الأولي للكرة، وعندما تتعرض الكرة لانحرافات هوائية أو تغيرات مفاجئة في اتجاهها، يصبح التوقع أقل دقة.
وتوضح دراسات ديناميكا الموائع أن الكرات منخفضة الدوران قد تمر بحالات انتقالية مفاجئة في تدفق الهواء حولها، ما يؤدي إلى تغير مناطق الضغط على سطح الكرة أثناء الطيران. وعندما يحدث ذلك قرب نهاية الرحلة، يبدو للحارس وكأن الكرة غيرت اتجاهها بشكل مفاجئ، رغم أن السبب الحقيقي يكمن في اضطرابات هوائية معقدة لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة.
ويخلص د.عطية من ذلك إلى القول إن " مباريات كأس العالم لا تُحسم بالمهارة البدنية وحدها، فاللاعب الذي يعرف كيف يمنح الكرة السرعة والدوران المناسبين، يستطيع استغلال قوانين الفيزياء لصالحه، وبين قدم المهاجم وشباك المرمى تعمل قوى غير مرئية من الضغط والاحتكاك والاضطرابات الهوائية، قادرة على تحويل تسديدة عادية إلى هدف تاريخي".