خبراء الطب النفسي يكشفون لـ«العين الإخبارية».. لماذا نعشق متابعة كأس العالم؟
قبل كأس العالم يتكرر المشهد نفسه، شوارع تتزين بالأعلام، ومقاهٍ تمتلئ بالمشجعين، وملايين البشر يضبطون ساعاتهم على مواعيد المباريات.
ما الذي يجعل كرة القدم قادرة على أسر هذا العدد الهائل من البشر؟ الإجابة لا تكمن في المستطيل الأخضر وحده، بل في أعماق الدماغ البشري وفي احتياجاتنا النفسية والاجتماعية الأكثر بدائية.

ويقول محمود عبدالله استشاري الطب النفسي لـ«العين الإخبارية» إنه "عندما يسجل فريقك هدفاً في الدقائق الأخيرة، لا يكون الشعور بالفرح مجرد استجابة عاطفية عابرة، فبحسب أبحاث في علم الأعصاب، تنشط دوائر المكافأة في الدماغ عند مشاهدة اللحظات الحاسمة في المنافسات الرياضية، وهي المناطق نفسها المرتبطة بالشعور بالمتعة والإنجاز".
ووفق دراسة نُشرت عام 2017 في دورية "ساينتفك ريبورتيز"، استخدم الباحثون تقنيات تصوير الدماغ لدراسة مشجعي كرة القدم، ووجدوا أن مناطق مرتبطة بالمكافأة والانتماء الاجتماعي تنشط بقوة عندما يتعلق الأمر بالفريق الذي يشجعونه، بما يجعل المشجع يعيش الانتصار وكأنه إنجاز شخصي له.
ويضيف أن "هناك دراسات أخرى في علم الأعصاب، تشير إلى أن الرياضة تحفز إفراز مواد كيميائية مثل الدوبامين المرتبط بالتوقع والمكافأة، وهو ما يفسر حالة النشوة التي يشعر بها المشجعون عند تسجيل الأهداف أو تحقيق الانتصارات الكبرى".

لماذا نقول "فزنا" رغم أننا لم نلعب؟
وواحدة من أكثر الظواهر إثارة للاهتمام هي أن المشجعين يتحدثون عن فرقهم بضمير "نحن".
هذا السلوك درسَه عالم النفس الاجتماعي روبرت تشالديني وزملاؤه في دراسة كلاسيكية نُشرت عام 1976 في دورية "جورنال أوف بيرسوناليتي آند سوشيال سايكولوجي".
وتابع الباحثون طلاب جامعات أمريكية بعد مباريات كرة القدم الجامعية، فوجدوا أن الطلاب كانوا أكثر ميلاً إلى ارتداء ملابس الجامعة واستخدام كلمة "نحن" بعد الفوز مقارنة بالخسارة.
وأطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم "الاستحمام في مجد الآخرين" أو "Basking in Reflected Glory"، أي أن الفرد يشعر بأن نجاح الجماعة التي ينتمي إليها هو نجاحه الشخصي.
كرة القدم تعالج إحدى أقدم حاجات الإنسان
ويشير د.عبدالله إلى نقطة أخرى في غاية الأهمية، وهي أن جاذبية اللعبة لا تقتصر على المتعة والإثارة، بل ترتبط أيضاً بحاجتنا الفطرية إلى الانتماء.
ووفق دراسة نُشرت عام 1991 في دورية "جورنال أوف سبورت آند سوشيال إيشوز"، توصل الباحثان دانيال وون و نايلة برانسكمب، إلى أن الارتباط القوي بفريق رياضي يمنح الأفراد شعوراً أكبر بالانتماء وتقدير الذات، كما يخفف من مشاعر العزلة والاكتئاب.
وخلص الباحثان إلى أن الفرق الرياضية أصبحت لدى كثير من الناس بديلاً حديثاً عن بعض الروابط الاجتماعية التقليدية التي كانت توفرها الأسرة أو المجتمع المحلي.

سر الإثارة.. لا أحد يعرف ما سيحدث
ومن الناحية النفسية، تعتمد كرة القدم على عنصر شديد الجاذبية للدماغ البشري، وهو "عدم اليقين".
ويقول د.عبدالله إن "الإنسان بطبيعته ينجذب إلى الأحداث التي يصعب التنبؤ بنتائجها، وفي كرة القدم يمكن لفرصة واحدة أو هدف متأخر أن يقلب نتيجة مباراة كاملة، وهو ما يجعل المشجع في حالة ترقب مستمرة".
ويرى د.عبدالله أن الدماغ يستجيب بقوة للأحداث المفاجئة وغير المتوقعة، لأن عنصر المفاجأة يرتبط مباشرة بأنظمة التعلم والمكافأة العصبية، لذلك تبقى المباراة المثيرة جذابة حتى الثواني الأخيرة.
لماذا تبدو المدرجات وكأنها كائن واحد؟
وإذا تأملت مدرجات كأس العالم ستجد آلاف الأشخاص يقفزون ويهتفون في اللحظة نفسها.
وتشير أبحاث حديثة إلى أن التجارب الجماعية قد تؤدي إلى نوع من التزامن العصبي والعاطفي بين الأفراد.
وفي تقرير علمي نشرته مجلة "نيتشر" عام 2025، أوضح الباحثون أن الأدمغة قد تُظهر أنماطاً متشابهة من النشاط أثناء لحظات الانتصار الجماعي، وهو ما يفسر الشعور القوي بالوحدة والاندماج الذي يختبره المشجعون أثناء المباريات الكبرى.

هل مشاهدة الكرة تجعلنا أكثر سعادة؟
الإجابة الأقرب للعلم هي: نعم، إلى حد ما، ففي دراسة واسعة أجرتها جامعة واسيدا اليابانية وشملت أكثر من 20 ألف شخص، ونُشرت نتائجها في دورية "سبورتس مانغمنت ريفيو" ، وجد الباحثون أن الأشخاص الذين يتابعون الرياضة بانتظام سجلوا مستويات أعلى من الرضا عن الحياة والصحة النفسية مقارنة بغير المتابعين.
كما أظهرت فحوص التصوير بالرنين المغناطيسي ارتفاع نشاط مراكز المكافأة في الدماغ أثناء مشاهدة المنافسات الرياضية، وهو ما يشير إلى أن متابعة المباريات ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل قد تسهم فعلياً في تعزيز الشعور بالسعادة والانتماء.

أكثر من مجرد لعبة
وانطلاقا من كل ذلك، فمن منظور علم النفس والاجتماع، لا تمثل كرة القدم مجرد رياضة، بل تجربة إنسانية متكاملة تجمع بين المنافسة والانتماء والأمل والهوية الجماعية.
ولهذا السبب، ومع كل نسخة جديدة من كأس العالم، يعود مليارات البشر لمتابعة المباريات بالشغف نفسه، فالعلم يقول إننا لا نشاهد كرة القدم فقط، بل نعيشها بأدمغتنا ومشاعرنا وهوياتنا الاجتماعية في الوقت نفسه.