خرج الإيرانية.. درس من كارتر يطارد ترامب
مع تجدد حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إمكانية الاستيلاء عليها باعتبارها ورقة ضغط على طهران، تعود جزيرة خرج الإيرانية إلى واجهة النقاش الاستراتيجي في واشنطن.
ورغم اختلاف الظروف السياسية بين اليوم وأزمة الرهائن الأمريكية عام 1979، فإن التاريخ يكشف أن الفكرة نفسها طُرحت قبل أكثر من أربعة عقود على الرئيس الأسبق جيمي كارتر، لكنه رفضها رغم الضغوط الهائلة التي تعرض لها، إدراكًا منه أن أي مغامرة عسكرية قد تؤدي إلى حرب إقليمية واسعة بدلًا من تحقيق أهدافها.
وتكتسب خرج أهمية استثنائية لكونها المركز الرئيس الذي تمر عبره معظم صادرات النفط الإيرانية، ما يجعلها هدفًا مغريًا لأي استراتيجية تهدف إلى خنق الاقتصاد الإيراني، بحسب موقع "ريسبونسبل ستيت كرافت".
غير أن خبراء الأمن القومي يرون أن القيمة الاستراتيجية للجزيرة لا تعني بالضرورة أن السيطرة عليها ستمنح واشنطن أفضلية سياسية أو عسكرية، بل قد تتحول إلى عبء ميداني يصعب الدفاع عنه.
ضغوط داخلية
وخلال أزمة الرهائن التي اندلعت عقب اقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز 63 دبلوماسيًا أمريكيًا، واجه كارتر ضغوطًا داخلية غير مسبوقة، بينما طالبه مستشار الأمن القومي زبيغنيو بريجنسكي بتنفيذ عملية عسكرية تشمل احتلال جزيرة خرج وعدد من الجزر القريبة من مضيق هرمز، بهدف حرمان إيران من عائداتها النفطية وإجبار القيادة الإيرانية على إطلاق سراح الرهائن، بل وتهيئة الظروف لإضعاف النظام الجديد.
إلا أن كارتر رفض تلك المقترحات، معتبرًا أن استخدام القوة سيؤدي إلى نتيجة معاكسة عبر توحيد الإيرانيين خلف قيادتهم، وهو تقييم أثبتت الأحداث اللاحقة صحته.
ورغم الضغوط السياسية وتراجع شعبيته، تمسك بخيار تجنب الحرب، ولم يوافق سوى على عملية الإنقاذ المعروفة باسم "مخلب النسر"، التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية عام 1980، قبل أن يُفرج عن الرهائن في اليوم الأخير من ولايته عبر تسوية دبلوماسية.
خرج بين الإغراء العسكري وتعقيدات الميدان
اليوم، يعيد بعض المسؤولين العسكريين الأمريكيين السابقين طرح فكرة السيطرة على خرج باعتبارها وسيلة للضغط على إيران، بينهم القائد السابق للقيادة المركزية الجنرال فرانك ماكنزي، الذي يرى أن امتلاك أرض إيرانية قد يمنح واشنطن ورقة تفاوض قوية في أي مفاوضات مستقبلية.
لكن خبراء عسكريين واستراتيجيين يحذرون من أن نجاح القوات الأمريكية في احتلال الجزيرة لا يعني قدرتها على الاحتفاظ بها. فالجزيرة تقع على مسافة قريبة جدًا من الساحل الإيراني، ما يجعل أي قوة تتمركز فيها عرضة لهجمات مستمرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة، الأمر الذي قد يحولها إلى ساحة استنزاف مفتوحة.
ويرى الباحث دان غرازيير أن أي عملية إنزال برمائي ستتطلب غطاءً جويًا وبحريًا كثيفًا، بينما ستظل القوات الأمريكية معرضة للاستهداف المباشر من الأراضي الإيرانية.
كما يؤكد مسؤول الاستخبارات الأمريكي السابق هاريسون مان، أن نشر قوات كبيرة على جزيرة ملاصقة لإيران سيخلق بيئة مثالية لاستنزاف القوات الأمريكية بدلًا من تعزيز موقفها التفاوضي، خصوصًا في ظل استعداد طهران لتحمل الضغوط العسكرية والاقتصادية.
التاريخ يحذر من سوء فهم إيران
ورغم تكرار التهديدات الأمريكية باستهداف منشآت إيرانية أو السيطرة على خرج، فإن التجارب السابقة تشير إلى أن مثل هذه الخطوات قد ترفع مستوى التصعيد دون أن تحقق مكاسب استراتيجية حقيقية. ولهذا يرى العديد من الخبراء أن أهم ما يمكن استخلاصه من تجربة كارتر هو أن ضبط النفس، رغم كلفته السياسية، قد يكون أقل تكلفة بكثير من الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو جزيرة خرج أكثر من مجرد منشأة نفطية أو هدف عسكري؛ فهي تمثل اختبارًا متكررًا لقدرة صناع القرار في واشنطن على الموازنة بين إغراء القوة وحسابات الواقع.
وكما أثبتت تجربة عام 1979، فإن السيطرة على الجزيرة قد تبدو خيارًا سريعًا على الورق، لكنها في الواقع قد تتحول إلى بداية أزمة أكبر، وهو الدرس الذي لا يزال التاريخ يقدمه لكل إدارة أمريكية تفكر في تكرار السيناريو نفسه.