الصين تستعين بـ«مازو» لكسب معركة الهوية في تايوان
تحولت "مازو"، إلهة البحر التي تحظى بمكانة راسخة في الوجدان الديني لملايين الصينيين والتايوانيين، إلى أحد أبرز أدوات القوة الناعمة التي تسعى بكين إلى توظيفها لدعم روايتها بشأن "الوحدة الوطنية" مع تايوان.
ففي الوقت الذي يؤكد فيه الحجاج التايوانيون أن علاقتهم بمازو تنبع من إيمان ديني خالص، ترى السلطات في تايبيه أن الصين تعمل على استثمار هذا الإرث الروحي المشترك لتعزيز نفوذها السياسي والتأثير في الرأي العام داخل الجزيرة، وفقا لمجلة فورين بوليسي.
تعود أصول مازو، المعروفة أيضًا باسم "ماتسو"، إلى امرأة يُعتقد أنها عاشت في مقاطعة فوجيان خلال القرن العاشر، قبل أن تتحول في الموروث الشعبي إلى شفيعة البحارة والصيادين.
ومع انتقال المهاجرين الصينيين إلى تايوان منذ القرن السابع عشر، انتقلت عبادتها إلى الجزيرة، لتصبح اليوم من أكثر الرموز الدينية حضورًا، إذ يشارك أكثر من مليون شخص سنويًا في مواسم الحج، وفي مقدمتها رحلة "داجيا مازو" التي تمتد لتسعة أيام ويقطع خلالها الحجاج مئات الكيلومترات سيرًا على الأقدام وسط احتفاء شعبي واسع.
الدين في خدمة السياسة
ترى بكين في عبادة مازو أكثر من مجرد تقليد ديني، إذ تعتبرها دليلًا على وحدة الجذور الحضارية بين جانبي مضيق تايوان. وتتمحور هذه الرؤية حول معبد "ميتشو" في مقاطعة فوجيان، الذي تروج له السلطات الصينية باعتباره "المعبد الأم" لجميع معابد مازو، مستندة إلى مفهوم ديني يعرف بـ"فينلينغ" أو "تقسيم الروح"، والذي يقوم على انتقال البركة الروحية من تمثال أصلي إلى آخر جديد، بما ينشئ سلسلة نسب دينية بين المعابد.
وتسعى بكين إلى إضفاء بعد سياسي على هذا المفهوم، معتبرة أن الروابط الروحية بين المعابد تعكس أيضًا وحدة الهوية والمصير بين الصين وتايوان. ولهذا تروج وسائل الإعلام الرسمية باستمرار لشعارات مثل "عودة جميع تماثيل مازو إلى موطنها"، وتستخدم المناسبات الدينية للتأكيد على أن سكان الضفتين ينتمون إلى "عائلة صينية واحدة".
إلا أن هذا الطرح يواجه رفضًا داخل قطاعات واسعة من الأوساط الدينية في تايوان، حيث يرى عدد من الباحثين والقائمين على المعابد أن مركز الثقل الحقيقي لعبادة مازو انتقل إلى الجزيرة، خاصة بعد تدمير معبد ميتشو الأصلي خلال الثورة الثقافية في الصين، وهو ما دفع بعض المعابد التايوانية إلى رفض الاعتراف بأفضليته أو المشاركة في رحلات الحج إليه.
مخاوف تايوانية من "القوة الناعمة" الصينية
وتتعامل السلطات التايوانية مع التبادلات الدينية المتزايدة مع الصين باعتبارها جزءًا من استراتيجية أوسع للتأثير السياسي.
ووفق مسؤولين في تايبيه، لم تعد رحلات الحج إلى فوجيان تقتصر على الشعائر الدينية، بل أصبحت تتضمن فعاليات وخطابات تروج لرواية الوحدة، إلى جانب تقديم تسهيلات وضيافة مجانية للحجاج.
كما تشير دراسات صادرة عن مراكز بحثية تايوانية إلى أن بعض شبكات التواصل التي تنشأ بين المشاركين في هذه الرحلات تتحول، مع اقتراب الانتخابات، إلى منصات لنشر رسائل سياسية ومعلومات مضللة تستهدف التأثير في خيارات الناخبين، عبر تشجيع التصويت للأحزاب الأكثر انفتاحًا على بكين وإضعاف التأييد للقوى المؤيدة لاستقلال تايوان.
ودفع ذلك حكومة تايوان إلى تشديد الرقابة على التبادلات الدينية عبر المضيق، وإلزام المؤسسات الدينية بالإبلاغ المسبق عن مشاركتها في الأنشطة المقامة داخل الصين، مع فتح تحقيقات بشأن أي تعاون قد يتجاوز الأطر القانونية.
وفي ظل احتدام المنافسة بين بكين وتايبيه، لم تعد "مازو" مجرد رمز ديني أو شفيعة للبحارة، بل أصبحت عنوانًا لصراع أوسع على الهوية والولاء، حيث تحاول الصين توظيف التاريخ والإيمان لتعزيز مشروعها السياسي، بينما تسعى تايوان إلى حماية فضائها الديني من التحول إلى أداة في معركة النفوذ عبر المضيق.