قبل انطلاق كأس العالم.. كيف يغير الفوز والخسارة كيمياء جسم المشجع؟ (خاص)
قبل دقائق من انطلاق المباراة، يبدأ المشهد المألوف في التكرار. قلوب تخفق بسرعة، أيدٍ متعرقة، أنفاس متقطعة، وعيون لا تفارق الشاشة.
بالنسبة للمشجعين، قد تبدو هذه مجرد مظاهر للحماس والترقب، لكن العلم يقول إن ما يحدث في تلك اللحظات أعمق بكثير من مجرد مشاعر عابرة.

فمع كل صافرة بداية، يدخل جسم المشجع في حالة فسيولوجية استثنائية تشبه في بعض جوانبها استجابة الإنسان للخطر أو المنافسة المباشرة.
وكأن الدماغ لا يميز تماما بين اللاعب الذي يركض داخل الملعب والمشجع الذي يتابعه من المدرجات أو من أمام شاشة التلفاز.
المباراة تبدأ داخل الدماغ
وعندما يتابع المشجع فريقه المفضل، يتعامل الدماغ مع أحداث المباراة بوصفها تجربة شخصية.
وقد أظهرت دراسات تصوير الدماغ أن المناطق المسؤولة عن المكافأة والانتماء الاجتماعي والهوية الجماعية تنشط بقوة أثناء متابعة المنافسات الرياضية.
ويفسر د.خالد صبحي، استشاري الصحة النفسيية بوزارة الصحة المصرية، ذلك بأن المشجع لا يرى الفريق مجرد مجموعة من اللاعبين، بل امتدادا لهويته الشخصية والاجتماعية.
ولذلك يتحول الفوز إلى نجاح شخصي، بينما تُستقبل الهزيمة كما لو كانت خسارة ذاتية.
ويوضح في تصريحات لـ "العين الإخبارية"، أن الأبحاث في علم الأعصاب الرياضي، تشير إلى أن مشاهدة فريق محبوب يحقق هدفا حاسما تؤدي إلى إفراز الدوبامين، وهو الناقل العصبي المرتبط بالشعور بالمكافأة والمتعة، وهو نفسه الذي يزداد عند تحقيق إنجاز شخصي أو الحصول على خبر سار.
هرمونات التوتر تسيطر على المشهد
لكن الطريق إلى هذا الشعور بالسعادة ليس هادئا، فخلال المباريات الحاسمة، ترتفع مستويات هرمون الأدرينالين بشكل ملحوظ، ما يؤدي إلى زيادة معدل ضربات القلب وارتفاع ضغط الدم وتسارع التنفس.
وقد وجدت دراسات أجريت أثناء بطولات كأس العالم وكأس الأمم الأوروبية أن بعض المشجعين يسجلون معدلات نبض تضاهي ما يحدث أثناء ممارسة نشاط بدني متوسط الشدة.
وفي دراسة شهيرة نُشرت بعد كأس العالم 2006، لاحظ باحثون ألمان ارتفاعا ملحوظا في حالات الطوارئ القلبية خلال مباريات المنتخب الألماني، خاصة في المباريات المتقاربة والمليئة بالتوتر.
وأظهرت النتائج أن الضغط النفسي الناتج عن متابعة المباراة قد يضاعف خطر المشكلات القلبية لدى الأشخاص المعرضين لها.

عندما يفوز فريقك
إذا انتهت المباراة بالفوز، تبدأ كيمياء الجسم في التحول بشكل جذري.، كما يوضح د.صبحي.
ويقول إن "الدوبامين يرتفع، وتزداد إفرازات الإندورفينات، وهي مركبات طبيعية يطلق عليها أحيانا مسكنات الألم الطبيعية، كما تشير أبحاث نفسية إلى أن الفوز يرفع مستويات هرمون التستوستيرون لدى بعض المشجعين الذكور، رغم أنهم لم يشاركوا في المباراة فعليا".
ويعتقد العلماء أن هذه الاستجابة تعود إلى آليات تطورية قديمة مرتبطة بالانتماء للمجموعات البشرية، حيث كان نجاح المجموعة يعني زيادة فرص البقاء والنجاح الاجتماعي.
ولذلك يشعر كثير من المشجعين بعد الانتصارات الكبرى بحالة من النشوة والثقة بالنفس والطاقة الإيجابية قد تستمر لساعات أو حتى أيام.
تداعيات الهزيمة
أما الخسارة فتروي قصة مختلفة تماما، فقد أظهرت دراسات في علم النفس الرياضي أن الهزيمة تؤدي إلى ارتفاع مستويات هرمون الكورتيزول، المعروف بهرمون التوتر. كما تنخفض مؤشرات المزاج الإيجابي، ويشعر بعض المشجعين بالحزن أو الإحباط أو حتى أعراض تشبه الاستجابة للفقد.
وفي بعض الحالات، خصوصا لدى المشجعين شديدي الارتباط بفرقهم، يمكن أن تؤثر النتائج الرياضية على جودة النوم والشهية ومستويات التركيز في اليوم التالي.
وقد وجدت دراسة أجرتها جامعة ساسكس البريطانية أن مشجعي الفرق الخاسرة أظهروا تغيرات فسيولوجية ونفسية استمرت لساعات بعد انتهاء المباراة، وهو ما يعكس قوة الرابط العاطفي بين المشجع وفريقه.
القلب لا يعرف أن المباراة مجرد لعبة
ربما تكون النتيجة العلمية الأكثر إثارة أن القلب والأوعية الدموية لا يتعاملان مع المباراة باعتبارها حدثا ترفيهيا.
فخلال ركلات الترجيح أو الدقائق الأخيرة من المباريات المصيرية، يرتفع نشاط الجهاز العصبي الودي، وهو النظام المسؤول عن استجابة "الكر أو الفر".
ونتيجة لذلك يزداد ضخ الدم إلى العضلات والدماغ، ويرتفع ضغط الدم بشكل مؤقت.
وقد سجلت بعض الدراسات زيادات كبيرة في معدلات النوبات القلبية واضطرابات القلب خلال البطولات الكبرى، خصوصا بين الأشخاص الذين يعانون مسبقا من أمراض القلب أو عوامل الخطر القلبية.
لماذا نشعر وكأننا لعبنا المباراة؟
بعد نهاية مباراة عصيبة، يصف كثير من المشجعين شعورا بالإرهاق رغم أنهم لم يركضوا مترا واحدا.
ويفسر العلماء ذلك بأن الدماغ استهلك خلال المباراة كميات كبيرة من الطاقة في معالجة التوتر والترقب والانفعالات المتلاحقة. كما أن الارتفاع المستمر في هرمونات التوتر يضع الجسم في حالة استنفار مشابهة لتلك التي تحدث أثناء مواجهة تحدٍ حقيقي.
ولهذا السبب قد يشعر المشجع بعد مباراة مثيرة بالتعب الذهني والبدني، وكأنه كان جزءا من المنافسة نفسها.

كأس العالم.. مختبر عالمي للمشاعر البشرية
ومع اقتراب انطلاق كأس العالم، يستعد ملايين الأشخاص حول العالم لخوض تجربة لا تقتصر على مشاهدة كرة القدم فقط، بل تمتد إلى سلسلة معقدة من التفاعلات العصبية والهرمونية داخل أجسامهم.
فكل هدف سيطلق موجة من الدوبامين لدى جماهير ويزيد الكورتيزول لدى جماهير أخرى. وكل انتصار أو خسارة سيترك بصمته البيولوجية المؤقتة على القلب والدماغ والهرمونات.
وبينما يتنافس اللاعبون على أرض الملعب، تخوض أجساد المشجعين بدورها مباراة موازية لا تقل إثارة، مباراة تدور داخل الدماغ والقلب والكيمياء الحيوية للإنسان.