خبراء يرسمون مسار الجنيه المصري أمام الدولار في المرحلة المقبلة
تعكس الرؤية الاقتصادية في مصر نهجا واعيا في إدارة تدفقات رؤوس الأموال، حيث توظف الأدوات النقدية بمرونة لدعم الاستقرار المالي، وتعزيز قوة الجنيه، وتقليل آثار التقلبات العالمية على الاقتصاد الوطني.
يرى خبراء أن مستقبل الجنيه المصري أمام الدولار يتحدد عبر إدارة مرنة لتدفقات الأموال الساخنة، والسياسات النقدية، والتطورات الجيوسياسية، بما يوازن بين الاستقرار المالي وجذب الاستثمارات وتعزيز مرونة الاقتصاد.
وضع مصرفيون وخبراء اقتصاد، تحدثوا لـ"العين الإخبارية"، رؤية تحليلية ترسم ملامح مستقبل الجنيه المصري أمام الدولار، وتعيد تقييم الدور الحقيقي لما يُعرف بـ"الأموال الساخنة".
في الوقت الذي ينظر فيه البعض إلى هذه التدفقات على أنها مصدر مخاطر محتملة، جاءت رؤية الخبير الاقتصادي المصري، هاني توفيق، لتصحح هذا المفهوم الشائع، مؤكدة أن هذه الأموال ليست سلبية على إطلاقها.
وأوضح توفيق أن فاعلية هذه التدفقات أو خطورتها ترتبط بشكل مباشر بكيفية توظيفها داخل الاقتصاد، وليس بمجرد وجودها في السوق.
وأشار عبر حسابه على "فيسبوك" إلى أن الاستخدام الأمثل لهذه الأموال يكمن في توجيهها نحو استيراد خامات ومستلزمات إنتاج تُستخدم في التصنيع ثم إعادة التصدير، بما يضمن استعادة النقد الأجنبي وتحقيق عوائد تتجاوز تكلفة التمويل، مقارنة بأدوات الدين مثل أذون الخزانة.
وفي المقابل، حذر توفيق من السيناريو السلبي المتمثل في توجيه هذه التدفقات للتأثير غير الحقيقي على سعر الصرف أو استخدامها في أنشطة استهلاكية غير إنتاجية، ما قد يعرض الاقتصاد لمخاطر الخروج المفاجئ لرؤوس الأموال، مؤكدًا في الوقت نفسه أن هذا السيناريو غير مطروح في ظل السياسة النقدية الحالية المتزنة.
وهو الطرح الذي دعمه باسل الحيني، الرئيس السابق لشركة مصر القابضة للتأمين، مؤكدًا أن إدارة البنك المركزي المصري تمتلك من الوعي والخبرة ما يمنع تكرار أخطاء الماضي، خصوصًا فيما يتعلق بالاعتماد على الأموال الساخنة في التأثير على سعر الصرف بشكل غير مستدام.
وجاءت التحذيرات من مخاطر "الخروج المفاجئ" بعد تقديرات، من بينها تقارير وكالة "ستاندرد آند بورز"، التي أشارت إلى تخارجات أجنبية بنحو 10 مليارات دولار منذ منتصف فبراير/شباط الماضي، نتيجة حالة عدم اليقين المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية والتصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، ما ضغط مؤقتًا على سوق الصرف، ودفع الدولار لملامسة مستوى 55 جنيها قبل أن يعاود التراجع مع عودة التدفقات تدريجيًا.
أين تتجه البوصلة؟
شهد سعر الدولار في البنوك تحسنا ملحوظا مع عودة التدفقات الأجنبية، حيث تراجع بنحو 5% خلال النصف الأول من الشهر الجاري، أي ما يعادل قرابة 3 جنيهات، لينخفض من مستوى 55 جنيهًا إلى متوسط 51.87 جنيه.
وضع المصرفيون، ومن بينهم الدكتور أحمد شوقي والدكتور ماهر جامع ومحمود نجلة، سيناريوهين رئيسيين لمستقبل العملة الأمريكية في مصر، في ظل استمرار تطبيق سياسة "مرونة سعر الصرف".
السيناريو الأول
وفي السيناريو المتفائل، يرى محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، أن نجاح جهود التهدئة الإقليمية، بما يضمن استقرار الملاحة في مضيق هرمز، سيعزز من عودة المستثمرين الأجانب بقوة إلى أدوات الدين المحلية.
وقد يدفع ذلك الدولار إلى مزيد من التراجع ليصل إلى مستويات تتراوح بين 47 و48 جنيهًا، وهي المستويات التي كان يدور حولها قبل الأحداث.
في المقابل، يتبنى الخبير المصرفي ماهر جامع رؤية أكثر تحفظًا داخل السيناريو نفسه، مرجحًا عدم كسر الدولار حاجز 50 جنيهًا هبوطًا، نتيجة استمرار بعض الضغوط الهيكلية مثل ارتفاع الدين العام وعجز الميزان التجاري.
السيناريو الثاني
يتفق الخبراء على أن أي تصعيد عسكري جديد قد يؤدي إلى موجة خروج عكسية لرؤوس الأموال الأجنبية، وهو ما حذر منه "نجلة"، مرجحًا عودة الدولار لاختبار مستوياته القياسية عند 55 جنيهًا.
وتتوافق هذه التقديرات مع توقعات سابقة لوكالة "ستاندرد آند بورز"، التي رجحت احتمال صعود الدولار إلى 55 جنيهًا خلال العام المالي الجاري، وربما ملامسة 60 جنيهًا في العام المالي المقبل، في ظل الضغوط التضخمية العالمية المرتبطة بأسعار الغذاء والطاقة.
ورغم تباين السيناريوهات، يؤكد صندوق النقد الدولي في أحدث تقاريره أن التزام البنك المركزي المصري بسياسة مرونة سعر الصرف، دون تدخلات مصطنعة، يمثل خط الدفاع الأول للاقتصاد، وركيزة أساسية لامتصاص الصدمات الخارجية، والحفاظ على احتياطيات النقد الأجنبي في مواجهة التقلبات الإقليمية والعالمية.