نماذج الذكاء الاصطناعي تقتحم عالم الإعلانات المٌربح.. مخاوف على الخصوصية
في خطوة تنهي مرحلة البراءة الرقمية لمساعدي الذكاء الاصطناعي، أعلنت كبرى شركات التكنولوجيا بدء إدماج الإعلانات داخل المحادثات الذكية في تحول يعكس سعي هذه المنصات إلى تحقيق عوائد مالية ضخمة.
لكن في المقابل يفتح هذا التحول نقاشا واسعا حول الثقة والخصوصية وحدود التداخل بين المعلومة والإعلان في عصر الذكاء الاصطناعي.
وأعلنت شركة "أوبن إيه آي"، الجمعة، أنها ستبدأ خلال الأسابيع المقبلة في الولايات المتحدة اختبار عرض إعلانات داخل مساعدها الشهير تشات جي بي تي، في خطوة تمثل مرحلة جديدة من تحقيق الدخل من خدمات الذكاء الاصطناعي، بحسب صحيفة "لوموند" الفرنسية.
وقدمت الشركة مثالا توضيحيا موضحة أنه عند سؤال تشات جي بي تي عن مدينة سانتا في، يقدم المساعد وصفا سياحيا تقليديا، ثم يظهر أسفل الإجابة مباشرة إعلان ممول لفندق محلي، مع زر يتيح الدردشة مع الشركة المعلنة. هكذا ستبدو الإعلانات الجديدة التي تعتزم "أوبن إيه آي" اختبارها مبدئيا.
تحول منتظر في نموذج الأعمال
بهذا الإعلان، تكرس OpenAI تحولا كان متوقعا منذ أشهر، يتمثل في فتح مساعدي الذكاء الاصطناعي أمام الإعلانات، واستثمار القاعدة الواسعة من المستخدمين المجانيين. وهو توجه لا يقتصر على OpenAI وحدها، بل يشمل أيضا Google وفاعلين آخرين في هذا القطاع، في مسار يذكر بما عرفته شبكات التواصل الاجتماعي سابقا من نقاشات وجدالات حادة.
مبادئ الثقة وفصل الإعلان عن الإجابة
إدراكا لحساسية الخطوة، نشرت OpenAI ما وصفته بـ"مبادئ" تهدف إلى الحفاظ على ثقة المستخدمين. وأكدت الشركة أن محتوى إجابات تشات جي بي تي لن يتأثر بالإعلانات، كما أن الإعلانات ستكون منفصلة بوضوح وموسومة على أنها ممولة، وستظهر مبدئيا أسفل الإجابات، وفقط عندما يكون الإعلان مرتبطا بموضوع المحادثة. ولن تعرض إعلانات للمستخدمين دون 18 عاما، ولا ضمن مواضيع حساسة مثل الصحة والصحة النفسية أو السياسة.
كما شددت الشركة على أن محادثات المستخدمين لن تشارك مع المعلنين، مع إتاحة خيار حذف بيانات الاستهداف الإعلاني في أي وقت.
الإعلانات فقط في النسخ المجانية
أوضحت أوبن إيه آي أن الإعلانات لن تظهر على الاشتراكات المدفوعة بقيمة 20 دولار أو 200 دولار شهريا، وستقتصر على النسخة المجانية، وعلى اشتراك تشات جي بي تي جو منخفض التكلفة (8 دولارات شهريا)، الذي أطلق أولا في الهند ثم توسع إلى أكثر من 170 دولة.
ويقارن هذا النموذج بما فعلته نتفليكس عندما أطلقت اشتراكا مدعوما بالإعلانات للوصول إلى جمهور أوسع.
أرقام ضخمة وطموحات مالية
وفقا لموقع انفورميشن، شكل المستخدمون المجانيون 95% من قاعدة مستخدمي تشات جي بي تي في أبريل/ نيسان 2025، وتسعى أوبن إيه آي، التي لا تزال تسجل خسائر بسبب استثماراتها الضخمة، إلى تحقيق مليار دولار إيرادات إعلانية بحلول 2026، و29 مليار دولار بحلول 2029، أي نحو 20% من إجمالي إيراداتها.
ولهذا الهدف، استقطبت الشركة شخصيات بارزة، من بينها الفرنسية فيدجي سيمو، القيادية السابقة في ميتا وInstacart، كما أطلقت إمكانية الدفع بنقرة واحدة لشراء منتجات يشير إليها تشات جي بي تي، مقابل عمولة.
غوغل وميتا على الخط
لم تكن OpenAI وحدها في هذا المسار، فقد أعلنت غوغل، في 11 يناير/ كانون الثاني، السماح للمعلنين بإدراج عروض مباشرة داخل إجابات مساعدها الذكي في وضع البحث الجديد.
في المقابل، تستخدم ميتا منذ ديسمبر/ كانون الأول 2025 محادثات المستخدمين مع مساعدها Meta AI لاستهداف الإعلانات على إنستغرام وفيسبوك. كما دخلت شركات أخرى مثل Perplexity هذا المجال، وأبدى إيلون ماسك نيته اعتماد الإعلانات في مساعده Grok على منصة X.
ترحيب حذر من المعلنين
يرى جان-لوك شيتري، المدير العام لاتحاد المعلنين الفرنسيين، أن إتاحة تفاعل العلامات التجارية داخل محادثات الذكاء الاصطناعي تفتح فرصا جديدة، لكنه شدد في المقابل على ضرورة ضبط الشروط، محذرا من تكرار سيناريو هيمنة المنصات الكبرى على سوق الإعلانات.
مخاوف الخصوصية وردود فعل متوقعة
رغم وعود الشركات، يتوقع مراقبون ردود فعل سلبية من المستخدمين القلقين على خصوصية بياناتهم. وهو ما يضع مؤسس OpenAI، سام ألتمان، في موقف لافت، بعدما كان قد صرح في 2024 بأنه يكره الإعلانات.
في فرنسا، أعلنت هيئة المنافسة الفرنسية في 9 يناير/ كانون الثاني فتح تحقيق ذاتي لدراسة مساعدي الذكاء الاصطناعي، ولا سيما إدماج الإعلانات داخلهم.
يمثل دخول الإعلانات إلى عالم مساعدي الذكاء الاصطناعي تحولا استراتيجيا كبيرا، قد يعيد تعريف العلاقة بين المستخدم والمنصة. وبين وعود الشفافية ومخاوف الخصوصية وهيمنة الشركات الكبرى، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة جديدة، عنوانها: من الخدمة الذكية إلى السوق الإعلاني المفتوح.
