التضخم في ولاية ترامب الثانية.. «سلاح قوي» يتحول إلى «نقطة ضعف»
يرى العديد من الخبراء أن التضخم هو "نقطة ضعف" الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الثانية، وقد تكون الأسعار هي السبب في خسارة الحزب الجمهور انتخابات التجديد النصفي.
بحسب استطلاع رأي أجرته صحيفة نيويورك تايمز بالتعاون مع جامعة سيينا للناخبين المسجلين في أوائل مايو/أيار، انخفضت نسبة تأييد ترامب في إدارة غلاء المعيشة بنسبة 42 نقطة مئوية، وهي نسبة أقل من تقييمه في إدارة الاقتصاد (بانخفاض 31 نقطة).

ليس من المستغرب أن إحدى أقوى أسلحته التي استخدمها لهزيمة كامالا هاريس في انتخابات 2024 قد انقلبت ضده الآن بعد أن أصبح هو صاحب القرار. لكن الأمر المثير للدهشة حقا هو استعداد ترامب الواضح لبناء سجل حافل بسياسات التضخم. يبدو أنه قرر أنه مهما كانت الخيارات المتاحة أمامه، فعليه أن يسلك الطريق الذي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار.
ربما تبدأ قائمة المناورات التضخمية بجولة الرسوم الجمركية "التبادلية" التي فرضها ترامب في أبريل/نيسان من العام الماضي، والتي عدلها مرارا، ورفعها، وخفضها، ثم ألغاها بعد أن أمرته المحكمة العليا بذلك.

وخلص تقرير صادر عن مختبر ييل للميزانية إلى أن الرسوم الجمركية رفعت أسعار السلع المعمرة بنسبة تصل إلى 3.8% خلال الأشهر الثلاثة عشر المنتهية في يناير/كانون الثاني 2026.

كان ترامب محظوظا، فقد قام المستوردون بتخزين كميات كبيرة من الواردات في أواخر عام 2024 وأوائل عام 2025، تحسبا لرسومه الجمركية. وحتى عندما فُرضت الرسوم، استوعبوا التكاليف المرتفعة من خلال هوامش ربح منخفضة. علاوة على ذلك، غطى انخفاض التضخم في قطاع الخدمات، الذي لم يتأثر بالرسوم، على الارتفاع السريع في أسعار السلع، وفقا لصحيفة "الغارديان".

كما حالفه الحظ، حتى الآن، في حملته للترحيل الجماعي، التي لم تُسهم كثيرا في خفض معدلات البطالة في القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على المهاجرين، مثل تصنيع الأغذية والبناء ورعاية الأطفال والخدمات الصحية. مع استمرار عمليات الترحيل، من المتوقع أن يؤدي نقص العمالة إلى ارتفاع الأجور وبالتالي ارتفاع الأسعار.
وهنا ينتهي الحظ، فمن اللافت للنظر قراره العام الماضي بإنهاء الدعم الإضافي للتأمين الصحي بموجب قانون الرعاية الصحية الميسرة. وقد قفزت أقساط التأمين بنسبة 58% في المتوسط، وفقا لمؤسسة كايزر فاميلي.
كما ارتفعت المبالغ التي يتحملها المؤمن عليه بنسبة 37% في المتوسط، لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 3706 دولارات. وبحسب تقديرات المؤسسة، قد يتخلى ما يصل إلى 6 ملايين أمريكي عن تأمينهم الصحي هذا العام.

الطاقة هي نقطة ضعفه الرئيسية، قد لا يكون نهجه المتساهل للغاية تجاه الذكاء الاصطناعي، والذي يتسم بانعدام التنظيم، هو الدافع الرئيسي وراء الاستثمار الضخم في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي المستهلكة للطاقة، والتي ترفع أسعار الكهرباء.
ولكن، بإضافة جهوده لإلغاء مشاريع طاقة الرياح، يتضح أنه لا يُساعد المستهلكين في مواجهة ارتفاع فواتير الكهرباء. فعلى الرغم من ادعائه بالسعي لتوفير كهرباء أرخص، إلا أن أسعار الطاقة المنزلية في أبريل/نيسان كانت أغلى بنسبة 6.4% مقارنة بالعام السابق.
ثم هناك الحرب ضد إيران التي دفعت طهران، إلى إغلاق مضيق هرمز وتقليص الإمدادات العالمية من النفط والغاز بشكل حاد. ويبلغ متوسط سعر البنزين العادي في البلاد نحو 4.50 دولار للغالون، أي بزيادة قدرها 1.30 دولار تقريبا عن العام الماضي. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع حاد في أسعار المستهلكين، التي زادت بنسبة 3.8% في العام المنتهي في أبريل/نيسان، وهو أعلى معدل سنوي لها في عامين.

ومن غير المرجح أن ينتهي تأثير الحرب قريبا، حيث قدر تحليل أجراه اقتصاديون في بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس أن ارتفاع أسعار النفط نتيجة الحرب قد يُضيف ما بين 0.2 و1.8 نقطة مئوية إلى التضخم السنوي بحلول نهاية العام، وذلك تبعًا لسرعة إعادة فتح المضيق، واستمرار فتحه، والغموض الذي يكتنف وضعه المستقبلي.
يصعب فهم مواقف الناس تجاه التضخم، فهم لا يفكرون كثيرا في المؤشرات التي يركز عليها صانعو السياسات، مثل مؤشر أسعار المستهلك ومؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، بل يفكرون أكثر في مقدار ارتفاع أسعار البيض والوقود منذ آخر مرة تذكروها. إنهم يكرهون التضخم حتى لو واكبت الأجور الأسعار، كما كان الحال في المتوسط منذ تولي ترامب منصبه، إذ يرون في زيادة الأجور مكافأة عادلة، وفي التضخم عبئا غير عادل، حتى وإن كان كلاهما مدفوعا بنفس القوى الاقتصادية الكلية.

يرى كثير من الأمريكيين أن التعامل مع التضخم لا يعني إبطاء وتيرته، بل إجبار الأسعار على الانخفاض، وهو توجهٌ تباهى به ترامب ظاهريا خلال الانتخابات الرئاسية، رغم أن خفض الأسعار بشكل شامل سيستلزم على الأرجح ركودا اقتصاديا عميقا.
وبغض النظر عن تحيزاتهم، يبدو أنهم حريصون على معاقبة الرؤساء الحاليين على ارتفاع الأسعار. فقد وجدت دراسة استندت إلى استطلاعات رأي أجريت قبيل انتخابات التجديد النصفي لعام 2022 أن الأشخاص الذين شعروا بعبء التضخم شخصيا ولاحظوه في مجتمعهم المحلي كانوا أقل ميلًا للتصويت للديمقراطيين من غيرهم، أما أولئك الذين أرجعوا السبب إلى الإنفاق الحكومي، فقد مالوا بشدة نحو الجمهوريين.
كان التضخم أقل مما هو عليه اليوم يوم الانتخابات في عام 2024. ومع ذلك، وجد الباحثون أن مجرد مطالبة الناس بالتفكير في التضخم أدى إلى انخفاض الدعم لإدارة بايدن-هاريس والحزب الديمقراطي. ووجدت دراسة ثالثة، استندت إلى الأصوات الفعلية المدلى بها، أن نسبة تصويت ترامب في عام 2024 تحسنت بشكل أكبر مقارنةً بعام 2020 في المقاطعات التي كان فيها التضخم أعلى.
قد لا يكون هذا دقيقا إحصائيا، ولكن منذ خسارة جورج بوش الأب أمام بيل كلينتون عام ١٩٩٢، لم تشهد البلاد سوى انتخابات رئاسية واحدة في عام بلغ فيه التضخم مستوياته الحالية.