قرية «كوبهيل داون».. محاكاة سرية بريطانية لحرب المستقبل
وسط سهول سالزبوري بمقاطعة ويلتشير، تقع منشأة عسكرية فريدة تُعرف باسم كوبهيل داون، وهي منطقة سرية صُممت خصيصًا لتدريب القوات البريطانية.
هنا يخوض جنود فوج البنادق، أكبر فوج مشاة في الجيش البريطاني، تدريبات مكثفة تحاكي مواجهة قوات مجهزة ومتعلمة بأساليب مشابهة لتكتيكات الجيش الروسي، مع التركيز على الصراع الحضري المعقد الذي يشهده النزاع الأوكراني، وفقا لصحيفة "ديلي ميل" البريطانية.
تحتوي القرية على ثلاثة مبانٍ متشابكة تمثل خصومًا متخفيين، بالإضافة إلى أزقة ضيقة، وأنفاق تحت الأرض، وممرات مرتفعة، ما يجعل بيئة التدريب محاكاة واقعية لمناطق القتال في المدن المدمرة.
والهدف هو تدريب الجنود على الاشتباك المباشر في مسافات قصيرة، مع مواجهة تهديدات متعددة من جميع الاتجاهات.

يصف النقيب مايك ليندغرين، قائد السرية في الكتيبة الخامسة، طبيعة التهديد المستقبلي بقوله: "الحرب مع روسيا ستكون حربًا بين جنود. لديهم نفس نوع المعدات التي لدينا، وتدريب مماثل بأساليب مختلفة".
ويُضيف أن البيئات الحضرية تمثل التحدي الأكبر بسبب "شدة الارتباك وفعالية الاتصالات المنخفضة"، حيث "يمكن أن يكون العدو فوقك، أو على يسارك، أو تحتك في شبكات الصرف الصحي".
منشأة كوبهيل داون: التطوير والتحديث
بُني موقع منشأة كوبهيل داون عام 1987 في الأصل لمحاكاة قرية ألمانية في بافاريا، لكنها توسعت بشكل ملحوظ لتواكب تحديات القرن الحادي والعشرين.

وشهدت التوسعات الأخيرة بناء أزقة وأنفاق ومجمعات معقدة وممرات مرتفعة، بالإضافة إلى إنشاء بيت رماية متطور بتكلفة 190 ألف جنيه استرليني، وإضافة مشروع قيمته 325 ألف جنيه استرليني لتطوير الممرات والتضاريس الداخلية، بهدف خلق بيئة شديدة التعقيد تحاكي المدن المدمرة الحديثة.
يُستخدم الموقع لتدريب الجنود على مهارات القتال الحضري المباشر، ويتيح تجربة سيناريوهات معقدة تشمل تهديدات متعددة الاتجاهات، وعمليات اقتحام للمباني، وتنسيق الفرق الصغيرة في مساحات ضيقة، مما يعكس الدروس المستفادة من النزاع الأوكراني في دونباس.
ويخضع المجندون لتدريبات مكثفة على مدى 6 أشهر، تشمل ما يُعرف بـ "ممر السيف"، الذي يهدف لاختبار قدرتهم على التحمل البدني والنفسي تحت ضغط الإرهاق الشديد وقلة النوم.
كما يتم تدريبهم على "العدوان المنضبط"، أي القدرة على توجيه القوة والسرعة في الاشتباك دون فقدان السيطرة، وهو عنصر أساسي في القتال الحضري الحديث.
وتتضمن التدريبات محاكاة عمليات اقتحام المباني، والقضاء على الأهداف من مسافة قصيرة، وإدارة التوتر في بيئة معادية معقدة.
ويصف بعض الجنود هذه التدريبات بأنها أشبه بـ"السباق للبقاء على قيد الحياة"، حيث تُختبر مهاراتهم القتالية إلى أقصى حد.
لا تقتصر أهمية كوبهيل داون على التدريبات وحدها، بل تتصل بخطط بريطانيا لدعم أوكرانيا سياسيًا وعسكريًا. فقد تعهد رئيس الوزراء السير كير ستارمر بنشر قوات بريطانية برية في أوكرانيا بعد انتهاء الحرب الحالية، ضمن ما يُعرف بـ"تحالف الراغبين" الذي يضم نحو 35 دولة.

يتضمن هذا الالتزام نشر قوات بريطانية وفرنسية في مراكز تدريب عسكرية في أوكرانيا، لتدريب القوات المحلية وحماية مخزونات الأسلحة، بهدف ردع أي هجوم روسي مستقبلي، وتعزيز قدرة أوكرانيا على الدفاع عن أراضيها.
وبهذا، تتحول قرية "كوبهيل داون" التدريبية النائية من منشأة عسكرية متخصصة إلى رمز ملموس للاستعداد الغربي لمواجهة استمرارية التهديد الروسي، وتعكس انتقال الدروس العسكرية من ساحات القتال في دونباس إلى سهول سالزبوري، في تحضير لا يترك شيئاً للصدفة.