تصريحات ترامب.. بوصلة «مضاربات» في أسواق المال
كشفت مراجعة أجرتها هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) لبيانات التداول في عدد من الأسواق المالية عن نتائج هامة.
فقد توصلت التحقيقات إلى نمط لافت يتكرر خلال الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يتمثل في ارتفاعات حادة في أحجام التداول قبل ساعات، وأحياناً دقائق، من صدور تصريحات أو إعلانات مؤثرة على الأسواق.
ووفقاً للتحليل، فإن هذه القفزات في التداول غالباً ما تسبق منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي أو مقابلات إعلامية للرئيس، وهو ما أثار تساؤلات بين المحللين حول احتمال وجود تداول بناءً على معلومات داخلية، وهو أمر غير قانوني يقوم فيه بعض المستثمرين باتخاذ قرارات استثمارية اعتماداً على معلومات غير متاحة للعامة.
في المقابل، يرى آخرون أن الصورة قد تكون أكثر تعقيداً، إذ أصبح بعض المتداولين أكثر مهارة في توقع تحركات الرئيس وتصريحاته، خاصة في ظل نمط متكرر لتأثير قراراته على الأسواق.
النفط في قلب العاصفة
ومن أبرز الحالات التي رصدها التقرير، ما جرى في 9 مارس/آذار 2026، خلال الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. ففي مقابلة هاتفية مع شبكة "سي بي إس"، وصف ترامب الصراع بأنه “شبه مكتمل”، ما أوحى بقرب نهايته.
وهذا التصريح، الذي لم يكن معروفاً للعامة إلا عند نشره لاحقاً، أدى إلى هبوط حاد في أسعار النفط بنحو 25%، مع اندفاع المتداولين للبيع توقعاً لانخفاض التوترات.
لكن البيانات أظهرت أن رهانات ضخمة على انخفاض أسعار النفط تم وضعها قبل نشر الخبر بنحو 47 دقيقة، وهو ما مكّن أصحابها من تحقيق أرباح بملايين الدولارات. واعتبر أحد محللي النفط هذه التحركات “غير طبيعية بكل تأكيد”.
تعريفات “يوم التحرير”
وفي مثال آخر يعود إلى أبريل/نيسان 2025، أعلن ترامب ما أسماه “يوم التحرير”، متضمناً فرض تعريفات جمركية واسعة النطاق، مما أدى إلى هبوط حاد في الأسواق العالمية. غير أن قراره بعد أسبوع بتعليق هذه الرسوم لمدة 90 يوماً -باستثناء الصين- دفع الأسواق للارتفاع بشكل تاريخي.
وسجل مؤشر S&P 500 قفزة بنسبة 9.5% في يوم واحد، وهي من أكبر مكاسبه منذ الحرب العالمية الثانية. إلا أن اللافت كان تسجيل ارتفاع غير عادي في عدد العقود المتداولة قبل الإعلان، حيث تجاوزت 10 آلاف عقد في الدقيقة، مقارنة بمئات فقط في وقت سابق.
وأفادت البيانات بأن بعض المستثمرين راهنوا بأكثر من مليوني دولار على صعود السوق، محققين أرباحاً قاربت 20 مليون دولار.
ودفعت هذه التطورات عدداً من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين إلى مطالبات بفتح تحقيق، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت قرارات الإدارة قد أفادت “مقربين على حساب الشعب الأمريكي”.
ولم تقتصر الشبهات على الأسواق التقليدية، بل امتدت إلى منصات التنبؤ القائمة على تقنية البلوك تشين مثل Polymarket وKalshi، التي تتيح للمستخدمين المراهنة على أحداث سياسية واقتصادية.
وفي يناير/كانون الثاني 2026، حقق مستخدم على منصة "بوليماركت" أرباحاً ضخمة بعد أن راهن بمبلغ 32 ألف دولار على إطاحة رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو من منصبه قبل نهاية الشهر، وهو ما حدث بالفعل بعد يوم واحد فقط، ليجني 436 ألف دولار.
وفي فبراير/شباط من العام نفسه، أنشأت 6 حسابات رهانات على تنفيذ ضربة أمريكية ضد إيران قبل 28 فبراير/شباط. وعقب تأكيد الضربة من قبل ترامب، حققت هذه الحسابات مجتمعة أرباحاً بلغت 1.2 مليون دولار.
صعوبة الإثبات
ورغم أن التداول بناءً على معلومات داخلية محظور في الولايات المتحدة منذ إقرار قانون الأوراق المالية عام 1933، وتوسيعه ليشمل المسؤولين الحكوميين في 2012، إلا أن إثبات هذه المخالفات يظل معقداً.
ويقول أستاذ قانون التنظيم المالي، بول أودوين، إن السلطات تحتاج إلى تحديد مصدر تسريب المعلومات قبل المضي في أي ملاحقة قضائية، وهو أمر نادر الحدوث. وأضاف: “قد ترى صفقات ضخمة تشير بوضوح إلى أن هناك من كان على علم مسبق بما سيعلنه الرئيس، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن أحداً سيُحاكم”.
وفي ظل غياب ردود رسمية حاسمة من الجهات التنظيمية، واستمرار تكرار هذه الأنماط، تبقى التساؤلات مفتوحة حول نزاهة الأسواق، وما إذا كانت بعض الأرباح الاستثنائية تستند إلى معلومات لا يملكها سوى قلة.