سيناريو كوسوفو يلوح في إيران.. هدفان لأمريكا من أي ضربة محتملة
في معركة تبدو امتدادًا لمسار بدأ في ولايته الأولى باغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني،
تقترب رئاسة دونالد ترامب مرة أخرى من مواجهة مباشرة مع إيران.
فبحسب مجلة «ذا ناشيونال إنترست»، فإنه لا يُتوقع أن تسعى أي حملة عسكرية محتملة إلى تدمير شامل أو إسقاط فوري لإيران؛ إذ لا مصلحة لواشنطن في إنتاج دولة فاشلة أو إشعال فوضى إقليمية واسعة.
هذا التصور يعني -بحسب المجلة الأمريكية- أن أي تحرك عسكري أمريكي مرجح سيقوم على مبدأين أساسيين:
- الحفاظ على قدرة إيران على العمل كدولة قابلة للحكم بعد الإطاحة بالنظام، مع كسر قبضة المؤسسة الدينية والحرس الثوري بشكل منهجي.
- أما الهدف غير المباشر، فيتمثل في إعادة البلاد تدريجيًا إلى الشعب الإيراني، ومنحه فرصة تقرير مصيره وإنهاء النظام الذي تأسس عام 1979.
السياسة من السماء
يستدعي هذا السيناريو مقارنة تاريخية مع عملية «قوة الحلفاء» التي أطلقها حلف شمال الأطلسي عام 1999 ضد صربيا لوقف الانتهاكات في كوسوفو. فبعد 78 يومًا من الحملة الجوية، اضطر الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش إلى الاستسلام وسحب قواته.
لم تكن القوة الجوية وحدها العامل الحاسم، لكنها لعبت دورًا سياسيًا ضاغطًا، عبر استهداف البنية الاقتصادية والتحتية للنخبة الحاكمة، وتعميق عزلة النظام دوليًا، ما أوصل رسالة واضحة بأن الهزيمة باتت حتمية. وقد شكّلت كوسوفو نموذجًا لكيفية استخدام القوة الجوية كأداة ضمن حرب سياسية أوسع.
ورغم غياب حاملة طائرات أمريكية دائمة في المنطقة في بعض الفترات، لا يفتقر الرئيس ترامب إلى الخيارات. فالتقارير تشير إلى تحرك مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» نحو الشرق الأوسط.
كما أثبتت الولايات المتحدة، في يونيو/حزيران 2025، خلال عملية «مطرقة منتصف الليل»، قدرتها على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، حين حلّقت قاذفات بي-2 الشبحية من قاعدة وايتمان في ميسوري في مهمات تجاوزت 36 ساعة وقطعت أكثر من 13 ألف ميل.
وإلى جانب ذلك، يبقى الوجود المفترض للغواصات الأمريكية عامل ردع إضافي، مع ما يحمله من احتمال شن ضربات مفاجئة بصواريخ توماهوك.
وعلى الصعيد التكتيكي، شكّل استخدام إسرائيل لمقاتلات إف-35 الشبحية لاختراق المجال الجوي الإيراني خلال «حرب الاثني عشر يوما» سابقة قد تفتح الباب أمام استخدام أمريكي أوسع لمقاتلات إف-22 وإف-35. ومع ذلك، قد يفضّل ترامب انتظار اكتمال الحشد العسكري، بما في ذلك وصول حاملة الطائرات، قبل اتخاذ قرار نهائي.
ما بعد القوة الغاشمة: الفضاء السيبراني والاتصال
في ساحة معركة القرن الحادي والعشرين، لا تكفي القوة النارية وحدها. فنجاح أي حملة يتطلب كسر احتكار النظام للمعلومات. ويعني ذلك ضمان وصول المجتمع الإيراني إلى الإنترنت، رغم انقطاعات الكهرباء والقيود الحكومية، إلى جانب شن هجمات إلكترونية واسعة لتعطيل البنية المعلوماتية للنظام وتقليص قدرته على التحكم بالسردية الداخلية.
معضلة الولاء العسكري
وإذا اختار ترامب المسار العسكري، فإن الرسالة السياسية للحملة ستكون حاسمة. ويقترح بعض الخبراء إعطاء الأولوية لاستهداف الحرس الثوري، مع تجنب الجيش النظامي قدر الإمكان، بهدف تعميق الفجوة بين المؤسستين.
فالحرس الثوري يُنظر إليه كأداة لحماية النخبة الدينية من المجتمع، بينما يمكن مخاطبة الجيش النظامي بوصفه مؤسسة وطنية يفترض أن تحمي الشعب.
لهذا التمييز جذور تاريخية؛ ففي عام 1979، أعلن الجيش حياده، لكن «القيادة الثورية شككت في ولائه، وطهّرت صفوفه، ثم رفعت شأن المليشيات الموالية للخميني التي تطورت لاحقًا إلى الحرس الثوري، لضمان السيطرة ومنع الانقلابات»، بحسب المجلة الأمريكية.
ومع الوقت، تحوّل هذا الشك إلى تنافس مؤسسي راسخ بين جيش مهمته الدفاع عن الحدود، وحرس ثوري مكلف بالضبط الأيديولوجي.
نافذة العمل وحدود الانتظار
كما في كوسوفو، يقع أي عمل عسكري ضد إيران في منطقة قانونية رمادية، تقوم على فرضية أن الدولة تفقد بعض حقوقها السيادية عندما تمارس القتل المنهجي بحق مواطنيها. ويظل الجدل حول شرعية هذا النهج محتدمًا. غير أن التاريخ يحذر من كلفة التردد.
فقد اعترف الرئيس الأسبق باراك أوباما لاحقًا بأن عدم دعم الحركة الخضراء عام 2009 كان خطأً استراتيجيًا، سمح للنظام بإعادة تثبيت قبضته.
اليوم، تبدو إيران، في أعقاب حرب الأيام الاثني عشر، أكثر انكشافًا من أي وقت مضى، رغم احتفاظها بقدرات صاروخية باليستية معتبرة، واستمرار استفادتها من الدعم الصيني، بل ودراستها تطوير صواريخ عابرة للقارات.
وفي المقابل، لا تخلو الخيارات الأمريكية من مخاطر: فحملة محدودة لا تحقق هدفًا سياسيًا واضحًا قد تترك إيران جريحة لكنها أكثر عدوانية، مع احتمال توسع الصراع إقليميًا.
أي مستقبل لإيران؟
لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان التغيير سيأتي، بل متى وكيف. فالمرشد علي خامنئي بلغ 86 عامًا، ولا يلوح في الأفق خليفة يتمتع بسلطة مماثلة.
و«إذا فشلت الانتفاضة الحالية، قد تنتهي إيران إلى ديكتاتورية عسكرية يقودها الحرس الثوري. أما البديل الآخر، فهو فتح نافذة - مهما كانت محفوفة بالمخاطر - تعيد البلاد إلى شعبها»، بحسب المجلة الأمريكية.
وخلصت المجلة إلى أن «الطريق لن يكون سهلا أو مضمونا. لكن القرار، في نهاية المطاف، سيحدد ما إذا كانت إيران ستُترك لتنزلق نحو مزيد من العسكرة، أم ستُمنح فرصة تاريخية لإعادة صياغة مستقبلها».
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNTYg جزيرة ام اند امز