تدوينة الدكتور أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة على حسابه في منصة "إكس"، أمس، بشأن الضمانات المطلوبة خليجياً عندما تصل إيران إلى حل سياسي مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تشن عليها حرباً بالاشتراك مع إسرائيل
خاصة ضمانة: مبدأ عدم الاعتداء، أوحت لي باستنتاجين اثنين يمكن الخروج بهما من تجربة هذه الحرب (حتى هذه اللحظة) المليئة بالعبر والدروس الاستراتيجية.
الاستنتاج الأول: أن النظام الإيراني عدو نفسه. وأقصد فيه أنه منذ بداية الحرب التي أكملت شهرا وهذا النظام يتفنن في إيذاء نفسه من خلال ممارسة سياسة خسارة الأصدقاء وتكريس مبدأ تهديد الاستقرار العالمي بأنواعه المختلفة؛ فهو لم يكتفِ بالعدوان على جواره الخليجي الذي أعلن موقفه قبل نشوب الحرب بأنه لن يسمح باستهداف إيران منه بل شمل الدول الإقليمية الأخرى مثل الأردن وتركيا بمبررات لا ترقى إلى مستوى دولة بحجم إيران وتاريخها.
هذا يفسر لنا أنه، عندما تتحكم الأيديولوجيا خاصة الأيديولوجيا الدينية على التفكير السياسي لأي نظام سنجد أن القابضين على أمره يتخذون قرارات ويتبعون سلوكاً خارج المنطق والعقلانية ولا تتطابق مع مجريات الواقع لدرجة يمكن وصفها أنها تؤدي إلى الانتحار السياسي للنظام.
فإيران لم تتمادى فقط في عدوانها الغاشم على الدول الخليجية بل "سممت" مستقل تلك العلاقة بل ووسعت من دائرة تهديد الاستقرار العالمي بفعل نواياها في إغلاق مضيق هرمز الذي أثبت أنه أهم ممر دولي، وبفعل تحريك ميليشيا الحوثي لعودته بتهديد باب المندب في البحر الأحمر مؤخراً، وكأنها بذلك تدعو كل الدول المترددة في اتخاذ قرار ضد الانحياز إلى الطرف الأمريكي والإسرائيلي إلى ترك حيادها والانضمام ضد إيران.
من البديهيات السياسية في مثل هكذا نوع من الأزمات المعقدة أن يتم البحث عن مخارج ليس فقط من أجل بقاء النظام وتعديل نفسه من الداخل وإنما على أقل تقدير من أجل ترك إرث سياسي لخدمة الدولة الإيرانية وشعبها ليبني مستقبله بشكل مختلف بعد رحيلهم مع جواره بدلاً من أن يلعنهم التاريخ بسبب أفعالهم الجنونية.
الاستنتاج الثاني: انعدام الثقة مع النظام الإيراني. ستنتهي هذه الأزمة بطريقة أو أخرى كما حدث مع أزمات قبلها، وستبقى إيران بحكم الجغرافيا جارة لدول الخليج لكن "الشرخ" الذي أحدثه هذا النظام في الثقة كبير وأكد أن إيران مصدر التهديد الأول لها. فالأمر انتقل من مجرد اعتقادات خليجية بأن نوايا إيران ليست فقط للتمدد في دولها سواءً بفعل تصدير الثورة وبمحاولات تمزيق الوحدة الوطنية بتجنيد بعض ضعاف النفوس لبث خطر طائفي إلى سلوك سياسي تمثل في الإصرار على تخريب البنية الأساسية الاقتصادية لهذه الدول وبالتالي فإن مرحلة ما بعد الحرب خليجياً مع إيران لن تكون كما كانت قبل الحرب، حتى لو تغير النظام.
التاريخ البشري لا ينسى، فما تفعله إيران حالياً بلا شك من ممارسات بمبررات واهية أقرب إلى "الكذب السياسي" سيسجله التاريخ بأن عقدة نفسية لقادة فشلوا في الوفاء بوعودهم لواحد من أعرق الحضارات الإنسانية وبدلاً من أن يستفيدوا من جوارهم الجغرافي في النهوض بالدولة الإيرانية عملوا بسعي حثيث وإصرار على تدمير مجتمعات تستضيف جاليات من مختلف دول العالم بما فيها الجالية الإيرانية التي تقدر بأكثر من نصف مليون إيراني في دولة الإمارات وكأنهم بذلك الفعل لا يريدون أن يذكرهم التاريخ ولو بأدنى حسنة.
الذكاء السياسي أنه في فترات الأزمات يعمل من يديرون الدولة على استقطاب التعاطف الدولي بأقصى درجة تجاه قضيتهم، إلا أن مثل هذا الأمر صعب على النظام الإيراني بسبب عقلية التفكير المبنية على الأيديولوجيا المتزمتة وكذلك بسبب فقدانه للمصداقية السياسية ليس فقط مع جواره ولكن مع المجتمع الدولي بأكمله بدأها بحادثة احتلال السفارة الأمريكية واختطاف دبلوماسييها عام 1979، لذا يكون "الخطأ مركبا" عندما توسع دائرة العداء ليشمل العالم كله.
العدوان الإيراني على الدول الخليجية أوضح للشعب الإيراني أن النظام الذي جاء عام 1979 لم يركز على الداخل الوطني لتحسين مستوى معيشتهم كما وعدهم أثناء الثورة. كما أوضح هذا العدوان أن إسرائيل ليست العدو الأول لهذا النظام وأن تحرير القدس ليس أولوية فالعدد الأكبر من الصواريخ والمسيرات وُجهت إلى الخليج وإلى دولة الإمارات بالشكل الأساسي وكأنه ينتقم من حالة النجاح التنموي لها مقابل حالة الفشل الذي رسخه هذا النظام.
يبقى أن الشعب الإيراني أدرك حقيقة هذا النظام واستوعب أهدافه الحقيقية، فحاول إيصال رسالته لهم بطرق مختلفة أبسطها الهجرة إلى الجوار الجغرافي من أجل العيش الكريم، لكن هل استوعب بعض العرب والخليجيين أن النظام الإيراني لا يريد تحرير القدس بقدر ما يسعى لتخريب ودمار مجتمعاتهم وأوطانهم، هذا ما يفسره سلوكه وخطابه السياسي؟
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة