احتجاجات إيران وحدود قوة أمريكا.. بدائل من دروس التاريخ
تساؤلت تطفو للواجهة مع اندلاع الاحتجاجات في إيران حول حدود الدور الذي يمكن لأمريكا أن تلعبه في التأثير على مسار الأحداث.
وبحسب مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية، فإنه رغم ضخامة القوة العسكرية الأمريكية إلا أنها عاجزة عن تحقيق الهدف الأهم المعلن وهو حماية المتظاهرين الإيرانيين ودعم انتقال ديمقراطي.
وبدأت الاحتجاجات في إيران لأسباب اقتصادية ثم تحولت سريعًا إلى سياسية مع أرقام متباينة حول عدد القتلى والمعتقلين.
في الأثناء، شجع الخطاب الأمريكي، خصوصا عبر تهديدات الرئيس دونالد ترامب، بالتدخل العسكري بعض المتظاهرين على الاستمرار، معولين على تدخل خارجي قد لا يأتي.
ما يقوله التاريخ
الإشكالية الجوهرية الآن تكمن في: هل يمكن للتدخل العسكري الأمريكي أن يحمي المتظاهرين أو يساعد على إسقاط النظام؟
والإجابة، وفق المجلة، هي أن هذا الاحتمال ضعيف للغاية.
وتظهر التجربة التاريخية أن التدخلات العسكرية الأجنبية نادرًا ما تؤدي إلى بناء ديمقراطية مستقرة، بل غالبًا ما ينتج عنها أنظمة ضعيفة أو فاشلة، لذلك يجب أن يبقى مصير إيران في أيدي الإيرانيين أنفسهم، كما أن نجاح أمريكا يعتمد بقدر كبير على ما تختار "عدم القيام به".
وخلقت تصريحات ترامب المتناقضة بين التهديد والتراجع حالة من الغموض في حين أصبح الرئيس الأمريكي أكثر استعدادًا للمخاطرة عسكريًا في ولايته الثانية مثلما حدث في فنزويلا.
لكن قرار التدخل في إيران سيتأثر بتقدير ترامب لاحتمالات نجاح المتظاهرين، إذ أنه لا يرغب في الارتباط بقضية خاسرة.
ومن الناحية العملية، لا تستطيع واشنطن توفير حماية مباشرة للمتظاهرين من الجو، ولا يمكنها نشر قوات برية دون مخاطر جسيمة، ولذلك تنحصر الخيارات في نوعين إما الردع أو التعطيل.
ويشمل الردع ضرب منشآت الصواريخ أو استهداف شخصيات بارزة في النظام، بهدف تخويف القيادة الإيرانية ومنعها من التصعيد، غير أن هذه الضربات سيكون تأثيرها المباشر على القمع الداخلي محدودًا.
أما التعطيل، فيتمثل في ضرب شبكات الاتصالات ومراكز القيادة والبنية التحتية للأجهزة الأمنية، سواء عبر الهجمات السيبرانية أو الضربات التقليدية، وقد يؤدي ذلك إلى إرباك مؤقت للنظام، لكنه لن يكون كافيًا لإحداث تغيير استراتيجي ما لم يتزامن مع تحرك داخلي منظم وقوي.
وحتى اغتيال شخصيات قيادية كبرى، بما في ذلك المرشد على خامنئي، لن يضمن شل النظام لفترة طويلة بسبب تماسك الحرس الثوري وبقية الأجهزة.
وترى المجلة أن أي تدخل عسكري، حتى لو كان محدودًا، لن يمنح المتظاهرين سوى حماية مؤقتة، فعندما يشعر النظام أن وجوده مهدد، فإن غريزة البقاء ستدفعه إلى تصعيد القمع بغض النظر عن التهديدات الأمريكية.
كما أن نجاح التدخل عسكريًا سيقوض فرص بناء ديمقراطية حقيقية على المدى الطويل.
والتدخل الأجنبي لنشر الديمقراطية بالقوة يشوه السياسة الداخلية للدول، ويدفع الفاعلين المحليين للاعتماد على الدعم الخارجي بدلا من بناء توافق وطني وهو ما حدث في تجارب عديدة نتيجة طبيعية للتدخل العسكري.
بدائل
في المقابل، هناك بدائل غير عسكرية؛
- أولا: وقف التهديدات العلنية التي تشجع المتظاهرين على المخاطرة بحياتهم دون ضمانات حقيقية.
- ثانيا: دعم حرية الاتصال عبر تزويد الإيرانيين بمعدات مثل أجهزة "ستارلينك" لتجاوز حجب الإنترنت، معتبرًا أن تمكين التواصل الداخلي أكثر فاعلية من القصف.
- ثالثا: الدعوة إلى إنشاء محكمة دولية لمحاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان، مع التركيز على العناصر الأمنية الدنيا التي قد تتردد في تنفيذ أوامر القمع إذا شعرت بأن المحاسبة قادمة.
وفيما يتعلق بالملف النووي، فإن التفاوض مع النظام الإيراني مقابل تخفيف العقوبات في ظل الاحتجاجات قد يُنظر إليه كإنقاذ للنظام ويؤدي إلى فقدان ثقة المعارضة الإيرانية بالولايات المتحدة.
ويمكن بدلًا من ذلك السماح بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية مقابل الامتناع عن العمل العسكري، لضمان مراقبة البرنامج النووي تحسبًا لأي تغيير داخلي.
وأخيرا، فإن الولايات المتحدة، رغم كونها قوة عظمى، إلا أنها ليست قادرة على كل شيء، كما أن التدخل العسكري في إيران يحمل مخاطر تفوق مكاسبه المحتملة.
وخلصت المجلة إلى أن السياسة الأكثر حكمة هي التي تمكن الإيرانيين من تقرير مصيرهم بأنفسهم، مع قيام الولايات المتحدة بدور داعم لا قيادي.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTA0IA== جزيرة ام اند امز