يقترب الأسبوع الثالث من حملة الكراهية التي تشنها حكومة إيران على دول الخليج، ردًا على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي عليها.
ويدفعنا ذلك للتوقف قليلاً، ومحاولة قراءة المشهد بعيدًا عن دوي صواريخ الكراهية ومسيرات الحقد الساعية في سماوات الخليج العربي، من غير أدنى اعتبار لحق الجوار الجغرافي أو طبيعة الوضع الديموغرافي.
سبعة وأربعون عامًا، منذ زمن الثورة الإيرانية، والخليج العربي على صفيح ساخن من جراء النوايا الإيرانية التي لم يُوارِها أو يُدارِها القائمون على الأمر في طهران، ومرد ذلك الأطماع الإيرانية النسبية والمطلقة في الأرض والبشر.
إن ينسَ المرء، فلا ينسَ حلم المؤسس الخميني بأن يرى علم الثورة الإيرانية يرفرف فوق العواصم العربية، من عمّان إلى بغداد، ومن أبوظبي إلى الدوحة، ومن دمشق إلى القاهرة فالرياض.
كارثة النظام الإيراني منذ البدايات وحتى الساعة أنه يحكم بالمطلقات، وهذه لا تؤمن بالتعايش، بل تعرف طريقها جيدًا إلى العزل والإقصاء، وتعتقد في ذاتها السيادة والريادة، وعليه فإن مخيالها الجمعي يوقن بأن من حقها السيطرة على من حولها بالترغيب الدوغمائي تارة، والترهيب العسكري تارة أخرى.
كارثة إيران التي قادت الغرب إلى مواقفه الأخيرة من نظام الحكم هناك تمثلت في سعيه للقوة الغاشمة، عبر السعي الحثيث لحيازة أدوات القوة المطلقة، لتكون المكافئ الموضوعي لإسرائيل بنوع خاص، ومن هنا كانت البدايات الخاصة بالبرنامج النووي.
والشاهد أنه لم ينطلِ على أحد القول بأن برنامجها النووي إنما يبغي الحصول على الطاقة الوفيرة اللازمة لصناعاتها المستقبلية، لا سيما أن ما لديها من نفط وغاز يكفي ويزيد لتحقيق أهدافها، لكنها التقية عينها، والتي تذرعت بمقولة تحريم حيازة سلاح نووي.
إشكالية إيران الحقيقية التي أودت بها إلى هذا المصير تتمحور في فكر الزعامة المنحولة الساعية إليها، والفوقية الإمبريالية التي تدفعها للتمايز العرقي، وهو شعور يتجاوز في طبعه وحدة الدين في الحال والاستقبال.
لا يبدو أن للملالي دالة على التاريخ، فقد نسوا أو تناسوا سنوات طوال من الحرب مع العراق، انتهت بمقولة الخميني الشهيرة «الآن أتجرع كأس السم»، وذلك بعد أن تعرضوا في أبريل/نيسان 1988 لما يعرف بمعركة «فرس النبي»، والتي تم فيها تحطيم غالبية الأسطول البحري.
اليوم تبدو إيران فوق أكثر من بركان في حقيقة الأمر، الأول داخلي وموصول بثورة الجماهير الغفيرة التي باتت تسعى للحرية والديمقراطية، وكذا الخلاص من الحكم الثيولوجي المطلق، ذاك الذي كبدها شظف العيش، فيما كانت ثروات الدولة النفطية الكبرى تُنفق على أحلام السلاح النووي والصاروخي.
وخارجي بات يتمثل في هجمات عسكرية تكاد تقارب ما جرى في برلين عام 1945، وأدى إلى تركيعها، ولم يتبقَّ سوى سيناريو هيروشيما وناجازاكي، وقد لا يكون ذلك بالفعل بعيدًا، لا سيما حال تجاوز أصحاب الأمر هناك عتبات ما يُعرف بـ«ميزان الانتباه العسكري».
يبدو جليًا أن البيت الإيراني من الداخل هو النموذج المطابق لبيت العنكبوت، ودع عنك كل الشعارات الزاعقة والرايات الفاقعة، فالضعف يلف أطراف النظام الحاكم، والسؤال: هل هذا الكيان في طريقه للسقوط بالفعل؟
للمرء أن يلاحظ حالة الاختراق الاستخباري المهينة التي تجري في شوارع طهران وكبريات المدن الإيرانية، وكيف يتم اصطياد رؤوس القيادات من العسكريين والسياسيين على حد سواء، وبصورة تفيد بأن هناك خللًا تكتونيًا في هذا البلد يصعب إصلاحه، ويبدو غائرًا في الجسد الإيراني المنهك.
يعنّ لنا التساؤل: هل صواريخ الكراهية ومسيرات الحقد التي قصفت دول الجوار يمكن أن تتيح للملالي فرصة للهرب من المصير المحتوم؟
يقينًا سوف تبقى هذه الدول قامات سامقات، لا سيما أنها حملت للعالم مسارب للتنوير والتعاون الاقتصادي، وقدمت رؤية إنسانية للتعايش الخلاق، وأقامت الجسور مع بقية دول العالم.
لقد لعبت دول الخليج دورًا فاعلًا في التنمية الاقتصادية العالمية، وما رهانات إيران على إنزال الأوجاع بالاقتصاد العالمي إلا أضغاث أحلام.
هل من خلاصة؟
حتمًا سوف تتوقف هذه الحرب في وقت قريب، لكن ساعتها ستكون مراجعة الأوراق أمرًا واجب الوجود تجاه جار جغرافي لا يدري معنى ومبنى انتقام التاريخ.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة