في استعراضٍ قويٍّ للوحدة والعزم، وصل الملك عبد الله الثاني بن الحسين ملك الأردن، قبل أيام، إلى دولة الإمارات في لحظةٍ حاسمة للمنطقة، ليصبح أول زعيم عربي يزور الإمارات والبحرين وقطر في أعقاب التصعيد الأخير والاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج العرب
وقد حملت هذه الزيارة، التي اتسمت بالرمزية والمضمون، رسالة واضحة لا لبس فيها من جلالة الملك، مفادها أن الإمارات ليست وحدها. ففي وقتٍ تُهدَّد فيه سماء الخليج العربي بالصواريخ والقذائف والطائرات المسيّرة التي تستهدف البنية التحتية الحيوية والمناطق المدنية، شكّل وجود ملك الأردن في أبوظبي والدوحة والمنامة تأكيدًا جريئًا على التضامن والشجاعة والمصير المشترك بين الدول العربية.
والحقيقة التي يعلمها المتابعون أن هذه الزيارة لم تخلُ من المخاطر. فالوضع الأمني الإقليمي لا يزال متوترًا، والسفر في ظل هذه الظروف ينطوي على مخاطر كامنة. ومع ذلك، فإن قرار ملك الأردن بالمضي قدمًا نحو الإمارات وقطر والبحرين يؤكد عمق التزام الأردن تجاه دول الخليج العربي. ويعكس هذا الحدث علاقةً لطالما يصفها الأردن بأنها خط أحمر، علاقة راسخة في عقود من الاحترام المتبادل، والتوافق الاستراتيجي، والأخوة التاريخية.
وقد تجلّى هذا الالتزام منذ اللحظات الأولى للأزمة. ففي غضون ساعاتٍ من الإعلان عن الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربي، ومنها الإمارات، كان الملك عبد الله الثاني من أوائل قادة العالم الذين تواصلوا شخصيًا مع الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، معربًا عن دعم الأردن الراسخ واستعداده للوقوف إلى جانب الإمارات في مواجهة أي تهديد لأمنها واستقرارها.
وقد تعزّزت أهمية الزيارة باستقبال رفيع المستوى أُقيم للملك، حيث استُقبل في دبي بحضور الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وأبنائه، وعدد كبير من شيوخ وكبار مسؤولي دولة الإمارات. ولم يعكس المشهد البروتوكول الدبلوماسي فحسب، بل عكس أيضًا عمق الروابط الأسرية بين قيادتي البلدين.
وقد عجّت منصات التواصل الاجتماعي الخليجية بأوسع ترحيب بزيارة جلالة الملك، حيث أفرد مغردون وإعلاميون ومثقفون وسياسيون إماراتيون وخليجيون العديد من المنشورات التي ترحب وتحيّي الملك «الهاشمي» بزيارته، وتؤكد أنه أخ مخلص ووفي وحليف، وأنه شرف داره.
نعم، يمكن فهم زيارة الملك عبد الله الثاني إلى الأشقاء في دول الخليج العربي، في ظل تصاعد التوتر الإقليمي، على أنها إشارة سياسية مدروسة وليست مجرد لفتة احتفالية. ففي خضم المخاوف المستمرة بشأن التهديدات المرتبطة بإيران لأمن الخليج، يرتقي توقيت الزيارة ومضمونها ورسالتها مجتمعةً إلى مستوى التواصل الاستراتيجي.
وفي جوهرها، تعزز الزيارة محورًا راسخًا بين عمّان ودول الخليج العربي. لطالما رسّخت الأردن مكانتها كفاعل مُستقر يتماشى مع مصالح أمن الخليج، لا سيما عندما يحمل الحضور الفعلي دلالات رمزية تتجاوز التصريحات الرسمية. وباختياره التواجد في أبوظبي والدوحة والبحرين بدلًا من الاكتفاء بتقديم الدعم عن بُعد، عبّر الملك عبد الله الثاني عن التزام أكبر، يُشير إلى الردع بقدر ما يُشير إلى التضامن من خلال التنسيق العربي الداخلي.
وسواء أكان مستوى التهديد المباشر مرتفعًا من الناحية العملياتية أم لا، فإن إدراك الخطر من خلال الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، والخطاب العام للتصعيد من الجانب الإيراني، يُضفي على الزيارة طابع الشجاعة السياسية. ونادرًا ما يُعرّض القادة أنفسهم لمخاطر غير ضرورية دون نية استراتيجية. وفي هذه الحالة، يُعزّز القبول المحسوب لتلك المخاطرة مصداقية موقف الأردن ويُضخّم الرسالة المُوجّهة.
وختامًا، يمكن النظر إلى زيارة الملك عبد الله الثاني كعمل مُتعمّد للتضامن الاستراتيجي. فهي تمزج بين الرمزية والمخاطرة، والرسائل والحضور، والدبلوماسية والردع، وتكمن أهميتها في كيفية إظهارها للوحدة والعزم في لحظةٍ تُختبر فيها كلتاهما. وباختصار، زيارة ملكية تحمل رسالة واضحة وموقفًا ثابتًا لا يتزحزح من الأردن لأهل وقيادة وشعب الإمارات بأنكم لستم وحدكم، وأننا معكم.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة