تبيّن لي مع مرور الوقت أن الشعور الذي ينتاب كثيرين في أوقات الأزمات — ذلك الإحساس الخفي بأن ما نفعله قليلٌ قياسًا إلى ما يحدث حولنا — ليس ضعفًا شخصيًا، ولا حالةً فرديةً معزولة
بل هو تجربة إنسانية معروفة في علم النفس، ترتبط بما يُسمّى «الضيق الأخلاقي»، وقد تتقاطع أحيانًا مع ما يُعرف بـ«ذنب الناجي» أو «ذنب المدني»؛ حين يشعر الإنسان بأن واجبه أكبر من موقعه، وأن نبض قلبه يقف في مكانٍ آخر غير موطئ قدميه.
في تلك اللحظات يتسلّل سؤال صامت إلى الداخل: هل ما أفعله يكفي؟، وهل يكفي أن أبقى هنا بينما يقف غيري في الصفوف الأولى، حيث تُرسم مصائر كبرى؟.
مررتُ شخصيًا بلحظة تأمّل طويلة مع هذا الشعور. لم يكن إحساسًا بالعجز بقدر ما كان حوارًا هادئًا بين الضمير والواقع. وحين حاولت فهمه، أدركت أن التعامل معه لا يحتاج إلى جلد الذات، بل إلى قدر من الوعي والاتزان.
أول ما تنبّهت إليه أن المجتمعات، في لحظات التحدي، لا تقوم على الصفوف الأولى وحدها. ففي كل أزمة هناك من يحمي، وهناك من يبني، وهناك من يداوي، وهناك من يحافظ على استمرار الحياة. وما يبدو دورًا صغيرًا في عين صاحبه قد يكون خيطًا أساسيًا في نسيج الصمود الجماعي.
ثم تبيّن لي أن هذا الشعور نفسه يمكن أن يتحوّل إلى طاقة إيجابية. فبدل أن يبقى إحساسًا بالعجز، يمكن أن يتحوّل إلى سؤال بسيط: ما الذي أستطيع فعله من موقعي؟، ربما لا نستطيع تغيير مسار الأحداث الكبرى، لكننا نستطيع أن نكون جزءًا من العطاء — بكلمة صادقة، أو معرفة نافعة، أو دعم إنساني، أو موقف مسؤول.
ويشرح علم النفس الاجتماعي هذا الشعور في إطار ما يُعرف بـ«الهوية الاجتماعية»؛ فحين يمرّ المجتمع بأزمة تتعزّز مشاعر الانتماء، ويشعر الأفراد بأن مصيرهم مرتبط بمصير الجماعة. ويترافق ذلك أحيانًا مع نزعة إنسانية عميقة نحو «الإيثار» — أي الرغبة الصادقة في العطاء والتضحية من أجل الآخرين.
وقد ظهر هذا الإحساس بوضوح في التاريخ، مثل الحرب العالمية الثانية، حين شعر كثير من المدنيين بأن حياتهم اليومية أقل أهمية مقارنة بمن يقاتلون في الميادين. لكن الدراسات اللاحقة بيّنت أن المجتمعات لا تصمد بالجنود وحدهم، بل أيضًا بمن يحافظون على استمرار الحياة نفسها.
وهذا ليس انتقاصًا من أي دور؛ بل على العكس، هو تذكير بأن المجتمعات في أوقات الشدّة تحتاج إلى منظومة كاملة من الأدوار التي تحفظ توازن الحياة واستمرارها.
كما أن إدراك حجم الجهود التي تبذلها مؤسسات الدولة في إدارة الأزمات يعزّز في النفوس شعور الطمأنينة والمسؤولية. فالثقة بالمؤسسات الرسمية ليست مجرد موقف سياسي، بل هي جزء من الاستقرار النفسي والاجتماعي للمجتمع.
ولعل ما شهدناه من قيادة دولة الإمارات العربية المتحدة في إدارة التحديات خلال السنوات الماضية يقدّم مثالًا على هذا النهج المتوازن. فالأمر لا يتعلق بمواقف ظرفية، بل بنهج متكامل في القيادة وإدارة الأزمات يقوم على وضوح الرؤية، والاستناد إلى المعرفة، ووضع الإنسان في صميم الأولويات.
وحين يدرك الإنسان أن هناك من يعمل بحكمة وخبرة لحماية الوطن وإدارة التحديات، يصبح دوره الطبيعي أن يساهم في تعزيز الوعي والهدوء، لا في تضخيم القلق أو نشر الشائعات.
بالنسبة لي، لم يكن هذا التأمل مجرد فكرة نظرية. فمنذ 28 فبراير 2026، وبعد أن سمحت لنفسي بالتعبير عن مشاعري، وجدتُ نفسي أطرح سؤالًا واحدًا:
كيف يمكنني أن أكون نافعة في ظل الظروف الحالية، وفي حدود المساحات المتاحة لي؟، وكان الجواب — رغم بساطته — واضحًا: الكتابة والنشر.
أن أمارس مسؤوليتي الشخصية والمجتمعية قدر استطاعتي؛ بأن أكون جسرًا للمعلومة الصحيحة، وأن أساهم في نشر ما يصدر عن القنوات الرسمية، وأن أتواصل مع الأصدقاء والمعارف داخل الوطن وخارجه، بحيث تصل الأخبار من مصادرها الموثوقة، لا من ضوضاء الشائعات.
وفي مثل هذه اللحظات تبرز أهمية التمسك بالقيم التي يقوم عليها المجتمع. فالأزمات لا ينبغي أن تسلب منا قدرتنا على التسامح، ولا إيماننا بالسلام، ولا أملنا بالمستقبل. بل قد تكون فرصة لتأكيد أن قوة المجتمعات لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة التحديات، بل أيضًا بقدرتها على الحفاظ على إنسانيتها وقيمها.
في النهاية أدركت أن هذا الشعور — رغم ثقله أحيانًا — قد يكون علامة على شيء جميل: ضمير حي، وانتماء صادق، ورغبة حقيقية في أن يكون الإنسان جزءًا من الخير.
فربما لا يقف الجميع في الصف الأول، لكن المجتمع — في لحظات التاريخ الصعبة — يحتاج إلى كل الصفوف.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة