في الأزمات تُختبر المعادن الحقيقية، ولا تظهر إلا عند الشدائد.
وما نمر به اليوم كشف لنا كثيراً من الحقائق التي طالما تسترّت خلف الكلام الجميل والشعارات البراقة. فقد عرفنا من يقف بصدق، ومن اختار الشماتة، ومن سخّر إعلامه ليضلل الناس عن الحقيقة. وعرفنا أيضاً من حاول إنكار الجميل، ومن ركب الموجة مدّعياً أنه حامي الجميع، بينما الواقع يفضح المواقف ويكشف النوايا.
العدو الواضح والغادر الخفي
في خضم المشهد المتشابك بين الأحداث الأمريكية الإيرانية المتصاعدة، وما رافقها من توترات إقليمية بالغة الخطورة، اختارت إيران لغةً لا تقبل التأويل: صواريخ ومسيّرات تستهدف أرض الإمارات في عدوان سافر وجبان على دولة آمنة ومستقرة. وهذا، على قسوته، يبقى في باب الوضوح؛ فالعدو الصريح الذي يُعلن عداوته بسلاحه شيءٌ يمكن للعقول أن تتعامل معه وتواجهه.
لكنّ الأشدّ وطأةً على النفوس هو ذلك الصنف الآخر؛ أولئك الذين تداعوا إلى التعاطف الزائف، وهم يُوظّفون إعلامهم لتضليل الرأي العام، معتقدين في قرارة أنفسهم أن الأزمة فرصة لسحب البساط من تحت أقدام الإمارات، والنيل من صورتها أمام العالم. فأيّهما أخطر: سهمٌ يُرى أم خنجرٌ مخفيّ خلف ابتسامة؟
لقد آثر هؤلاء أن يُحوّلوا المأساة إلى أداة تنافس، وأن يتاجروا بألم الناس لحساب أجنداتهم الضيّقة. وكان الردّ الأبلغ على كل هذا ليس بالكلام، بل بالصمود والاستمرار.
معادن الإمارات في ساعة الجمر
في المقابل، ظهرت معادن الإمارات بوضوح لا يحتمل الجدل. تجلّت قوة منظومتها الدفاعية التي أثبتت كفاءة عالية في التصدي للتهديدات، وأكدت أن المنظومة الأمنية لهذه الدولة ليست ترفاً، بل ضرورة بنتها عقولٌ استراتيجية على مدى عقود. وأثبتت البنية التحتية للدولة أنها صُمِّمت لتكون في خدمة الإنسان حتى في أصعب اللحظات، إذ ظلّت الحياة تسير وعجلة الاقتصاد تدور، وبعث ذلك رسالةً صريحةً للعالم: الإمارات لا تتوقف.
غير أن أعظم ما كشفته هذه المحنة لم يكن في الحديد والصلب، بل في إنسان هذه الأرض. فقد برز تلاحم الشعب الإماراتي وتكاتفه في مشهدٍ يعكس حقيقة هذه البلاد وروحها التي لا تُكسر.
المقيمون يقولون كلمتهم
والأجمل من كل ذلك كان موقف المقيمين على أرض الإمارات، من شتى الجنسيات والثقافات. رأينا رحلاتٍ عادت إلى بلدانها شبه خالية، لأن كثيرين رفضوا المغادرة ببساطة، وقالوا بأفعالهم ما يعجز عنه الكلام: الأمان الذي يجدونه هنا يجعل الإمارات وطنهم الحقيقي الذي يطمئنون فيه.
ولعل هذا الموقف هو أصدق شهادة يمكن أن تنالها دولة من ضيوفها وسكانها؛ شهادة لا تُشترى ولا تُزوَّر، لأنها جاءت في اللحظة الأصعب حين كان الاختيار حرّاً ومفتوحاً.
وهذا المشهد لم يكن مفاجئاً لمن يعرف قيم هذه الدولة، إذ أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة أن كل من يعيش على أرض دولة الإمارات هو مسؤوليتها، وأن أمنه وسلامته أولوية للدولة. فحين يشعر الإنسان بأن الدولة تعتبره مسؤوليتها، تصبح هي وطنه الذي يدافع عنه.
الجذور التي لا تنكسر
تثبت الإمارات مرةً أخرى أن قوتها الحقيقية ليست فقط في إمكاناتها المادية، بل في إنسانها، وفي المنظومة القيمية التي أرسى دعائمها القائد المؤسس زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، حين بنى دولةً على مبادئ الكرامة والانفتاح والإنسانية.
وما نشهده اليوم من صمود وتلاحم ووضوح في الرؤية هو الثمرة الطبيعية لتلك البذرة التي زُرعت منذ التأسيس. الإمارات لم تبنِ قوتها في يوم واحد، بل بنتها على مدى عقود من الحكمة والإرادة والإيمان بالإنسان.
الأزمات لا تبني الشعوب، بل تكشفها. وما كشفته هذه الأزمة عن الإمارات وشعبها وأبنائها ومقيميها كان أعظم مما يمكن لأي خطاب أن يقوله. الإمارات ماضية.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة