أشباح إيران.. حياة بلا أثر فرارا من وطأة المشانق
مع تصاعد الاعتقالات والإعدامات يواصل المتظاهرون الإيرانيون الهرب حتى المصابين بالرصاص يخشون الذهاب للمستشفى.
فبعد مرور أكثر من 100 يوم على حملة القمع الوحشية وغير المسبوقة خلال الانتفاضة الإيرانية، لن تعود الحياة كما كانت بالنسبة للعديد من الشباب الذين خرجوا إلى الشوارع.
ومع استمرار موجات الاعتقالات والإعدامات والأحكام القاسية، يعيش عشرات المتظاهرين الشباب حالة من الترقب والانتظار والفرار الدائم فهم لا يستطيعون العودة إلى منازلهم، أو تشغيل هواتفهم، أو حتى قضاء ليلتين في المكان نفسه.
وفي ظل الخوف من الاعتقال تحول كل رنين لجرس باب، أو مكالمة هاتفية مجهولة، أو نقطة تفتيش، إلى كابوس محتمل من التعذيب، أو الاختفاء القسري، أو الإعدام، أو الموت في الحجز وذلك وفقا لما ذكرته صحيفة "إندبندنت" البريطانية.
وفي تصريحات للنسخة الفارسية من الصحيفة، قال متظاهر يبلغ من العمر 22 عامًا، انضم إلى المظاهرات في طهران ويختبئ الآن في شمال إيران "لم أشعر بالأمان ليلة واحدة طوال أربعة أشهر.. لم يعد لدي منزل.. أتنقل من مكان إلى آخر كل بضعة أيام."
وأضاف "حتى والدتي لا تعرف مكاني بالضبط.. أحيانًا أتصل بها باستخدام شريحة هاتف مجهولة الهوية فقط لتطمئن أنني ما زلت على قيد الحياة".
وتابع "أشعر وكأنني سأضطر للبقاء مختبئًا حتى سقوط النظام مهما طال الزمن لأنه في حال اعتقالي سيتم الحكم على بالإعدام مثل أصدقائي."
وأشار إلى أن العديد من أبناء بلدته حُكم عليهم بالإعدام وفر آخرون من إيران عبر الطرق الجبلية أو اختفوا مثله وقال "حتى عندما يراسلك أحدهم على تطبيق تيليغرام، أول ما يخطر ببالك هو أن الهاتف ربما يكون بحوزة رجال الأمن".
وقبل أيام، كشف تقرير لمنظمة العفو الدولية أن إيران سجلت أعلى عدد من عمليات الإعدام في العالم عام 2025.
وقال طالب يبلغ من العمر 20 عامًا من مشهد إنه اختفى عن الأنظار بدلًا من العودة إلى منزله بعد استدعائه من قبل الأجهزة الأمنية وأوضح أن إعدام عدد من المعتقلين من احتجاجات يناير/كانون الثاني أدى إلى زيادة خوف المتظاهرين الشباب.
وأضاف "كنا نظن أنه سيتم سجننا ثم إطلاق سراحنا، لكن عندما رأيناهم يعدمون الناس واحدًا تلو الآخر، أدركنا ذلك.. لقد أصبحوا أكثر وحشية من ذي قبل.. الآن، معظم الناس يحاولون فقط البقاء على قيد الحياة".
وكشف أنه غير حتى مظهره وأسلوب حياته وقال "قصصت شعري، وأطلقت لحيتي، وغيرت طريقة لباسي.. كنت أخرج كل يوم، لكنني الآن أبقى في المكان الذي أختبئ فيه لمدة أسبوعين متتاليين دون أن أغادره."
وبعد اعتقاله لبضعة أيام في يناير/كانون الثاني يعيش أحد سكان جنوب إيران متخفياً وقال لـ"إندبندنت" إنه "حتى بعد إطلاق سراحي، لم أكن حراً تماماً.. كانوا يتصلون بي أسبوعياً، ويستدعونني، ويهددونني وأدركت في النهاية أنني إما سأعود إلى السجن أو سأضطر للاختباء".
وأشار إلى أن تحذير محاميه "من أنني إذا اعتقلت مرة أخرى، فقد أواجه الإعدام بسبب اعترافات أدلى بها عدد من المعتقلين الآخرين".
وأضاف "لتجنب الضغط على عائلتي، نادراً ما أعود إلى المنزل.. في بعض الليالي، تبكي أمي وتقول: ليتك لم تذهب إلى الاحتجاجات أبداً".
ورغم إصابته بطلقات بندقية صيد خلال احتجاجات يناير/كانون الثاني، قال شاب يبلغ من العمر 19 عاماً من غرب إيران إن الطلقات لا تزال مستقرة في جسده، لكنه يخشى الذهاب إلى المستشفى وأضاف "أخشى أن يبلغ عني أفراد الأمن في المستشفى أو بعض الأطباء .. تم اعتقال الكثيرون بهذه الطريقة".
ولم يتلق الشاب علاجًا لعينه وهو يعيش الآن في منزل خارج محافظته الأصلية، وقال إن الكوابيس تُطارده كل ليلة وأضاف "على عكسهم، أيدينا لم تتلطخ بدماء أحد، ولم نرتكب أي جريمة.. لكنني ما زلت أستيقظ مرعوبًا، ظنًا أنهم جاؤوا ليقتحموا الباب ويعدموني.. لا أستطيع حتى أن أتذكر كيف كانت الحياة الطبيعية من قبل."
وانقطع متظاهرون آخرون تمامًا عن حياتهم السابقة وقال أحدهم "لقد تم محوي من الحياة تمامًا.. لا أستطيع الذهاب إلى العمل، ولا أستطيع العودة إلى الجامعة، ولا أستطيع حتى استخدام بطاقتي المصرفية."
وأضاف "أصبحت حياتنا عبارة عن هروب واختباء دائمين.. أحياناً أختفي في الجبال والبراري، وأحياناً أخرى أختبئ في منازل أصدقاء وأقارب بعيدين.. لا أعرف إلى متى سأستطيع الاستمرار على هذا الحال. ربما في النهاية سأستنفد طاقتي وأسلم نفسي."
ووفقاً لمصادر، فإن الضغط الأمني لا يقتصر على المتظاهرين أنفسهم؛ بل يمتد أيضا إلى عائلاتهم التي تخضع للاستجواب والتهديد والمراقبة وتشير التقارير إلى أن بعض العائلات أُجبرت على توقيع تعهدات، وخضعت هواتفها للمراقبة، بل تم تهديد أفرادها بالاعتقال للضغط على أبنائها للاستسلام.
وقال مصدر مقرب من عائلة أحد المعتقلين في رشت "أخبر العملاء والده أنه إذا لم يعد، فسوف يعتقلون شقيقه الأصغر بدلاً منه. لقد أصبحت العائلات رهائن فعلياً".
وفي الوقت نفسه، تحذر منظمات حقوق الإنسان من أنه بالإضافة إلى موجة الإعدامات، أخضع النظام الإيراني جيل الشباب من المتظاهرين لنوع من "الاستنزاف النفسي طويل الأمد" وجعله يعيش في حالة تأهب دائم، وعدم استقرار، وخوفٍ مستمر.