تسليح إيران لجيش السودان.. إطالة لأمد الحرب وخلق ذراع جديدة بالمنطقة (خبراء)
أثار توقيف السلطات الأمريكية، امرأة إيرانية توسطت في صفقات سلاح كبيرة بين طهران وجيش السودان، تساؤلات حول طبيعة العلاقات بين الجانبين، وتأثيرها على أمن المنطقة وأمد الصراع في البلد الأفريقي.
وقال خبراء في أحاديث منفصلة لـ"العين الإخبارية"، إن تسليح طهران لجيش السودان، لا يعني فقط تزويده بالمعدات العسكرية، بل يخلق قنوات تنسيق واعتماد تقني، والتزامات غير معلنة، محذرين من أن صفقات التسليح الإيرانية تعقّد فرص التسوية السياسية في البلاد، وتطيل أمد الصراع".
وأشار الخبراء، في الوقت ذاته إلى أن تسليح إيران للجيش السوداني دليل جديد على عمق التعاون بين الجانبين، لافتين إلى أن طهران تسعى إلى إيجاد موطئ قدم لها على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، لدعم أذرعها.
وألقت السلطات الفيدرالية الأمريكية القبض على امرأة إيرانية في مطار لوس أنجلوس الدولي السبت الماضي بتهمة التوسط في صفقات لبيع مسيرات وقنابل وصمامات تفجير وأسلحة هجومية وملايين الطلقات النارية إيرانية الصنع إلى سلطات بورتسودان، في انتهاك لقوانين العقوبات الأمريكية، وذلك وفقًا لشكوى جنائية تم رفع السرية عنها مؤخرًا.
وفي منشور على منصة "إكس" للتواصل الاجتماعي، كتب بيل إسايلي، مساعد المدعي العام الأمريكي الأول، الأحد: "الليلة الماضية تم إلقاء القبض على شميم مافي (44 عامًا) من وودلاند هيلز، في مطار لوس أنجلوس الدولي بتهمة تهريب الأسلحة".
ومنذ اندلاع النزاع في السودان، تورطت إيران في الأزمة من خلال تقديم دعم عسكري للجيش السوداني.
التزامات غير معلنة
ويرى الدكتور مأمون المساد المحلل السياسي الأردني، في حديث خاص لـ"العين الإخبارية"، أن ما جرى يعزّز من وجود قنوات غير رسمية، عبر وسطاء وشبكات للتعاون العسكري بين الجانبين، وهو تعاون وتنسيق لا يتم بالضرورة عبر اتفاقات معلنة.
وأشار المساد إلى أن "التوقيف من الناحية السياسية، يعزّز وجود تواصل أو تعاون بين الجانبين السوداني والإيراني، لكنه لا يكفي وحده لبناء استنتاجات نهائية".
ويؤكد أن "تسليح إيران للسودان، لا يعني فقط تزويدًا بالمعدات، بل يخلق قنوات تنسيق واعتمادًا تقنيًا، وربما التزامات غير معلنة".
وحول تأثير هذا التسليح على مواقف الأخيرة من الهجمات الايرانية على الخليج، يقول المساد إن أي دولة تدخل في شراكة عسكرية مع طرف إقليمي تجد نفسها بدرجات متفاوتة، أكثر حذرًا في انتقاده، وهذا الحذر قد يفسّر اللهجة السودانية الأقل حدّة تجاه تحركات إيران في الإقليم.
تعزيز النفوذ
ويبرز المساد، أن صفقات الأسلحة الإيرانية للجيش السوداني، تعكس نمطًا متكررًا في السياسة الإيرانية، تتمثل في الاستثمار بمناطق الهشاشة لخلق أوراق ضغط جديدة.
وهذا السلوك، يطرح إشكالية أخلاقية وسياسية في الحالة السودانية تحديدا، لأنه يأتي على حساب استقرار دولة تعاني أصلًا من الانقسام، ويحوّل أراضيها إلى ساحة تنافس إقليمي، بحسب المحلل السياسي الأردني.
وتابع: "يصعب النظر إلى أي انخراط إقليمي في الأزمة السودانية بمعزل عن حسابات النفوذ، لا سيما عندما يتعلق الأمر بإيران، التي دأبت على توظيف الأزمات المفتوحة لتوسيع حضورها الجيوسياسي".
ووفقا للمساد، فإن دعم إيران للجيش السوداني يندرج ضمن استراتيجية أوسع لإعادة التموضع في منطقة البحر الأحمر.
وقال: "الأهمية هنا ترتبط مباشرة بمضيق باب المندب، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، والذي يشكّل شريانًا حيويًا للتجارة الدولية والطاقة والتمركز بالقرب منه يمنح أي طرف قدرة على التأثير ولو غير المباشر، في حركة الملاحة العالمية، وهو ما تسعى إليه إيران منذ سنوات عبر شبكة من التحالفات والامتدادات الإقليمية".
وإزاء وجود دعم تسليحي خارجي للجيش السوداني، يحذر المحلل السياسي الأردني من أن هذا الأمر يعقّد فرص التسوية السياسية في البلاد، ويطيل أمد الصراع.
يشار إلى أن الجيش السوداني الذي تحول وفقاً لآراء خبراء ومراقبين سودانيين، إلى حاضنة إخوانية بامتياز، ظل يحصل على الدعم العسكري الإيراني، عبر شبكة وساطات يديرها التنظيم الإخواني في السودان، وهو ما عدّه مراقبون، أحد أهم الأسباب التي ظلت تعرقل مسيرة السلام في السودان.
ويرى المساد في الموقف الأمريكي دلالته أيضا، فالحدث ليس مجرد اعتقال شخص، بل حلقة في صراع أوسع، تتمثل في ضبط النفوذ الإيراني، وإدارة النزاعات الإقليمية، واستخدام القانون كأداة في السياسة الدولية.
علاقة تترسخ
ويتفق الكاتب الصحفي والمحلل السياسي السوداني، كمبال عبدالواحد، في تعقيبه مع ما ذهب إليه المحلل السياسي الأردني.
ويقول في حديث خاص لـ"العين الإخبارية"، إن التسليح الإيراني للخرطوم، يجسد تعاون سلطة بورتسودان مع النظام الإيراني، وهو امتداد لعلاقات تم ترسيخها منذ وقت طويل.
ويضيف: الدور العسكري الإيراني في السودان ممتد منذ عهد الرئيس الأسبق الإيراني على أكبر هاشمي رفسنجاني، وهو الأمر الذي دعا المجتمع الدولي لتشديد القيود على تدفق السلاح إلى السودان من أجل وضع حد للحرب الكارثية المستعرة في البلاد.
ولإيران دوافعها من دعم الجيش السوداني، والحديث لكمبالا، حيث تسعى لترسيخ موطئ قدم لها قرب باب المندب، من أجل تأمين نفوذها، وضمان تواصل إمداداتها العسكرية لحلفائها في المنطقة.
ويشير المحلل السياسي السوداني، إلى أن توقيف الوسيط الإيراني، يأتي في إطار سعي المجتمع الدولي لتجفيف مصادر الأسلحة التي تغذي الصراع في السودان في إطار الجهود الرامية لوقف الحرب المدمرة.
وحول الموقف السوداني من الضربات الإيرانية على الخليج، يقول كمبالا: هناك تباين في المواقف داخل سلطة بورتسودان بين تيار راديكالي متشدد داعم لطهران، وتيار يريد الحفاظ على العلاقات مع دول الخليج لأسباب سياسية واقتصادية.
كسر الحظر الأممي
بدوره، اعتبر مدير مركز بروكسل الدولي للأبحاث، رمضان أبو جزر، في حديث لـ"العين الإخبارية"، أن واقعة إلقاء السلطات الأمريكية القبض على المرأة الإيرانية، دليل جديد على وجود علاقة بين طهران والجيش السوداني، في سياق تغذية الصراع الدائر، عبر دعم الجيش، وبعض المجموعات المرتبطة به بالسلاح.
ونبه في هذا السياق، إلى أن توقيف المرأة الإيرانية، ليس المرة الأولى التي تظهر فيها دلائل على تزويد النظام الإيراني للجيش السوداني بالأسلحة، رغم الحظر الأممي.
وفي فبراير/شباط من العام الماضي، نقلت وكالة "بلومبرغ" في تقرير لها عن مسؤولين غربيين أن إيران زودت الجيش السوداني بطائرات دون طيار من نوع "مهاجر 6″، مؤهلة لمهام الرصد ونقل المتفجرات، وذكرت أن "أقماراً اصطناعية التقطت صوراً لطائرة دون طيار من نوع "مهاجر 6″ الإيرانية في قاعدة وادي سيدنا شمالي أم درمان، وهي خاضعة لسيطرة الجيش.
ويؤكد أبو جزر، أن إرسال الأسلحة الإيرانية في هذا التوقيت لجيش السودان يعزز من عزلة هذا الجيش المحكوم بأجنحة تنظيم الإخوان المصنف إرهابيا في معظم الدول العربية ودول العالم وخاصة في الولايات المتحدة.
ويتوقع مدير مركز بروكسل الدولي للأبحاث فرض عقوبات أمريكية خلال الفترة المقبلة على الجيش السوداني، وعلى قائده عبدالفتاح البرهان، والدائرة المحيطة به، لاسيما وأن واقعة توقيف المرأة الإيرانية تأتي بعد أسابيع قليلة من تصنيف الولايات المتحدة للإخوان في السودان جماعة إرهابية.
كما لفت إلى أن "توفر أدلة لدى واشنطن بشأن تزويد إيران للجيش السوداني بالأسلحة في هذا التوقيت، سوف يفتح الباب أمام مجلس الأمن والمؤسسات الدولية لبدء تحقيقات، وربما صدور قرارات إدانة لهذه الأفعال".
ويشير إلى أن هذا الموقف السلبي السوداني بعدم إدانة الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها دول الخليج ودول عربية يدل على تواطؤ هذا النظام مع العمليات الإرهابية التي يقوم بها الحرس الثوري الإيراني.