الحرب الإيرانية.. خريطة جيوسياسية جديدة تتشكل (خاص)
تتشكل خريطة جيوسياسية جديدة في العالم بعد أسبوع من الهجوم الاستباقي المشترك الأمريكي الإسرائيلي على إيران.
واعتبر خبراء سياسيون فرنسيون أن الحرب التي اندلعت في 28 فبراير/شباط الماضي قد تكون بداية مرحلة جديدة تشهد إعادة تشكيل للتوازنات الدولية.
ورأى الخبراء أن التفاعلات الدبلوماسية العالمية مع هذا النزاع تكشف، خريطة عالمية أكثر تعقيداً وتفتتاً مما كان عليه الوضع في السنوات السابقة، حيث لم يعد الاصطفاف الدولي يسير وفق خطوط تقليدية واضحة بين الشرق والغرب، بل بات يتوزع وفق حسابات أمنية واقتصادية وجيوسياسية متعددة.
وقالت هيلويس فاييت، أستاذة العلاقات الدولية والباحثة في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية والاستراتيجية لـ"العين الإخبارية" إن الحرب في إيران قد تمثل نقطة تحول في النظام الدولي.
وأوضحت أن الصراع الحالي يكشف عن عالم متعدد الأقطاب بالفعل، حيث لم تعد الولايات المتحدة قادرة على حشد تحالف عالمي واسع كما حدث في حروب سابقة.
وأضافت أن ما يحدث يعكس تحولاً عميقاً في السياسة الدولية، إذ أصبحت الدول تتخذ مواقفها وفق مصالحها الأمنية والاقتصادية الخاصة وليس فقط وفق الانتماءات السياسية التقليدية.
كما حذرت فاييت من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط وآسيا، وربما يدفع دولاً كبرى إلى تعزيز تحالفاتها العسكرية والاقتصادية في مواجهة النفوذ الأمريكي.
ورأت الباحثة الفرنسية أن أحد أخطر تداعيات الحرب يتمثل في احتمال تسارع سباق التسلح في المنطقة، خاصة إذا شعرت دول أخرى بأن النظام الدولي لم يعد قادراً على ضمان أمنها.
من جانبه، قال الباحث الفرنسي دومينيك مويسي، المستشار في معهد مونتين للدراسات الاستراتيجية لـ"العين الإخبارية"، إن الحرب في إيران تكشف عن تحوّل أعمق في العلاقات الدولية يتمثل في تراجع قدرة الغرب على فرض رؤيته للنظام العالمي.
وأشار مويسي إلى أن التباين في المواقف الدولية يعكس بوضوح أن العالم يتجه نحو نظام دولي أكثر تعددية، حيث تسعى قوى مثل الصين والهند ودول الجنوب العالمي إلى لعب دور أكبر في صياغة التوازنات الدولية.
وأضاف أن الأزمة الحالية قد تكون بداية مرحلة جديدة من المنافسة الجيوسياسية بين القوى الكبرى، خاصة إذا استمرت الحرب لفترة طويلة أو توسعت لتشمل مناطق أخرى من الشرق الأوسط.
كما حذر من أن أخطر ما في هذا الصراع ليس فقط المواجهة العسكرية، بل احتمال انهيار قواعد النظام الدولي التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما قد يفتح الباب أمام صراعات جديدة في مناطق مختلفة من العالم.
وتشير التطورات المرتبطة بالحرب في إيران إلى أن العالم يقف أمام تحول جيوسياسي عميق. فالخريطة الدولية للمواقف لا تعكس انقساماً تقليدياً بين الشرق والغرب، بل تكشف عن شبكة معقدة من المصالح والتحالفات المتغيرة.
وأوضح مويسي أن استمرار هذا النزاع قد يؤدي إلى إعادة رسم التوازنات العالمية، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل في النظام الدولي بأكمله، حيث تتشكل تدريجياً ملامح عالم جديد أقل استقراراً وأكثر تنافساً بين القوى الكبرى.
ضربة غير مسبوقة لها تداعيات
وأشارت المجلة السياسية الأوروبية في نسختها الفرنسية "لو جراند كونتينان" إلى أن الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، قد تكون مؤشراً على ظهور انقسام عالمي جديد، ليس على أساس التحالفات التقليدية فحسب، بل وفق مصالح إقليمية وحسابات استراتيجية تختلف من دولة إلى أخرى، وهو ما يظهر بوضوح في ردود الفعل الدولية المتباينة تجاه العمليات العسكرية التي استهدفت إيران.
وفي صباح 28 فبراير/شباط، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية مشتركة ضد إيران استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، إضافة إلى قيادات بارزة في النظام.
وخلال الساعات الأولى من الحرب، قُتل المرشد الإيراني علي خامنئي إثر ضربة صاروخية إسرائيلية، في تطور وصفه مراقبون بأنه أحد أخطر التحولات في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة.
ورغم أن الضربة كانت قوية ومفاجئة، فإن ردود الفعل الدولية لم ترسم خطاً دبلوماسياً واضحاً، فالكثير من الدول اختارت موقف الانتظار والترقب.
وأشارت المجلة الفرنسية إلى أن نتائج الحرب لا تقاس فقط بالموقف العسكري، بل بالتغيرات السياسية داخل إيران نفسها وبالمخاطر الجديدة التي قد تنشأ في المنطقة نتيجة هذه التطورات.
أوروبا بين الانقسام والحذر
وأظهرت ردود الفعل الأوروبية أن القارة منقسمة إلى حد كبير حول الموقف من هذه الحرب. فقد أعادت بعض الدول، مثل إسبانيا، التذكير بتجربة حرب العراق عام 2003، محذرة من أن التدخلات العسكرية يمكن أن تؤدي إلى تصاعد الإرهاب وأزمات الهجرة والاضطرابات الاقتصادية.
وأكد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن موقف بلاده يقوم على رفض انتهاك القانون الدولي ورفض حل النزاعات بالقوة العسكرية، مشيراً إلى أن الحرب في العراق كانت مثالاً على التدخلات التي أدت إلى عالم أكثر خطورة وعدم استقرار.
في المقابل، اتخذت دول أوروبية أخرى موقفاً أكثر تقارباً مع الولايات المتحدة. فقد أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن واشنطن وتل أبيب لديهما "أسباب قوية" للتحرك ضد إيران، رغم استبعاده مشاركة عسكرية ألمانية مباشرة في العمليات.
كما أعربت بولندا وعدد من دول أوروبا الشرقية عن دعم واضح للعملية، معتبرة أن النظام الإيراني يمثل تهديداً للأمن الإقليمي والدولي، خاصة في ضوء علاقته بروسيا ودوره في الحرب في أوكرانيا.
أما فرنسا والمملكة المتحدة وعدد من الدول الأوروبية الأخرى، فقد ركزت مواقفها على إدانة الضربات الإيرانية الانتقامية التي استهدفت مواقع عسكرية وبنى تحتية في المنطقة، داعية في الوقت نفسه إلى تجنب توسع الصراع.
الصين
وأوضحت المجلة الفرنسية أنه على عكس أوروبا، بدا الموقف الآسيوي أكثر تماسكاً إلى حد كبير، خاصة في آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا، فقد أدانت الصين الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي منذ اليوم الأول، حيث وصف وزير الخارجية الصيني وانغ يي مقتل زعيم دولة ذات سيادة بأنه عمل غير مقبول ودعا إلى العودة للمفاوضات بين واشنطن وطهران.
كما شددت بكين على ضرورة احترام مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وأعلنت أنها قد ترسل مبعوثاً خاصاً إلى المنطقة للمشاركة في جهود الوساطة.
ويعكس هذا الموقف محاولة الصين تقديم نفسها كقوة دولية تدافع عن الاستقرار والحلول الدبلوماسية في مواجهة ما تصفه بسياسات التدخل العسكري الأمريكي.
ورغم ذلك، فإن الصين نفسها قد تكون من أكثر الدول تضرراً من الحرب، نظراً لاعتمادها الكبير على واردات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم.
خريطة المواقف العالمية: عالم أكثر تفتتاً
وتكشف البيانات الاقتصادية عن أن الدول التي دعمت العملية العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية تمثل أقل من ربع الاقتصاد العالمي وفق معيار تعادل القوة الشرائية، أي نحو 23% فقط من الناتج العالمي، ولا تتجاوز نسبة سكانها 8% من سكان العالم.
في المقابل، فإن الدول التي أدانت الحرب أو دعت إلى خفض التصعيد تمثل نحو ثلثي الاقتصاد العالمي وما يقرب من ثلاثة أرباع سكان العالم.
لكن هذا التوزيع لا يعكس انقساماً بسيطاً بين الغرب وبقية العالم، إذ إن الانقسامات ظهرت حتى داخل التحالفات التقليدية مثل حلف الناتو أو مجموعة بريكس. فبينما أدانت الصين وروسيا والبرازيل الهجوم، دعت دول أخرى مثل الهند وجنوب أفريقيا وإندونيسيا ومصر إلى وقف التصعيد دون تبني موقف حاد.