السياسي مثل الملاكم أو المصارع، فلكلٍّ منهما حلبته التي ينازل فيها خصمه أو يقاتله.
السياسي يتبع الأسلوب الدبلوماسي أو العسكري، فيما الملاكم أداته الأساسية عضلاته وقوته الجسمانية، لكن الاثنين يتفقان في أن الصراع النفسي للعدو أو الخصم يسبق المنازلة الواقعية التي يُحسم فيها الصراع أو القتال.
وعندما يبالغ المقاتل أو المصارع في استعراض عضلاته لخصمه أمام الجمهور، فإنه يعطي انطباعًا بأنه إما قلق، أو أنه خاوي من الداخل، وفي أغلب الأحيان يكون خائفًا من المقاتل المقابل، وبالتالي فهو يستعيض بالتهديد والوعيد من خلال إبراز تلك العضلات.
وأغلبنا رأى الكثير من هذا النوع من المصارعين والمقاتلين يفعلون ذلك، ولكن عندما تبدأ المباراة نجد هذا المصارع غير قادر على الصمود، وبالتالي يتلقى هزيمة نكراء بدلًا من الانتصار الذي كان يوهم به مؤيديه.
لو أسقطنا هذا الوصف على ما يفعله النظام الإيراني، ومعه تحليلات المتعاطفين الذين يظهرون على شاشات التلفزيون ضد دول مجلس التعاون الخليجي ودولة الإمارات تحديدًا، سنجد أن سلوكهم يشبه ذلك المقاتل القلق الفاقد للثقة في عضلاته، فيلجؤون إلى التلميح بأن إيران ستفتح أبواب الجحيم على الجميع، وستحرق المنطقة كلها، وأنه لا أحد سينجو من نيرانها.
الأنظمة السياسية الواثقة من نفسها لا تقبل أن تمارس التهديد والتخويف ضد جيرانها، ولا تسمح لنفسها بأن تختطف شعبها وتستخدمه دروعًا بشرية لمواجهة العدوان الخارجي بدلًا من حمايته.
ولا تجد الأنظمة السياسية الطبيعية أية متعة في تهديد البشرية بأن عليهم تحمل تكلفة الحرب من خلال حصار مضيق حيوي. فهكذا أعمال من طبيعة الميليشيات والمافيا، وهذا ما يفعله حقيقةً النظام الإيراني.
أما عن العدوان على دولة الإمارات تحديدًا، فليس فقط لأنه «مبيت النية»، وإنما لأن دولة الإمارات ترفض سلوك النظام الإيراني الحالي في المنطقة علنًا، وهذا ما يزعجه.
بل إن الإمارات تطالب بتغيير سلوك هذا النظام بضمانات دولية كي يعيش الجميع بسلام، ومثل هذه المطالب لا تنطبق مع فكره السياسي القائم على أن على الجميع تحمل سلوكه، حتى وإن عربد وهدد المنطقة والعالم.
الاستعراض السياسي للنظام الإيراني ضد دول الخليج، والإمارات تحديدًا، يُعتقد أنه يحميه من تجاذبات الداخل والانقسامات والضغط الشعبي عليه، لأنه بمجرد تراجع هذا الخطاب والسلوك خارجيًا سيكون مبررًا للصدام مع الداخل، فمثل هذا النظام يعمل على إسكات صوت العقل والمنطق عندما تتحدث الأيديولوجيا. وعلى سبيل المثال، اختفى وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف بعد المقال الشهير في مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، وتم تحجيم دور مسعود بزشكيان، رئيس إيران.
من المعروف عن النظام الإيراني منذ عام 1979 أن التنمية في دول الجوار تقلقه، وأن استقرار هذه الدول ليس في صالحه، حتى إن هدوءها وعدم التفاعل مع خطاباته وصوته العالي لا يجد هذا النظام مصلحة فيه، لسبب بسيط، هو أن هذا النظام سيكون أمام أسئلة داخلية مشروعة عن الاقتصاد والتنمية والحياة الكريمة، لذا يفضل الحرب والقتال ليسكت الداخل، وفق قاعدة: «لا صوت يعلو فوق صوت الحرب».
ولو تخيلت أسئلة المواطن الإيراني إذا لم يُلهِه الحرس الثوري من خلال استهدافه لدولة الإمارات، فستكون على النحو التالي: كيف لدولة عمرها التاريخي أصغر من إيران أن تصنع دورًا دوليًا تستفيد منه في الدفاع عن موقفها؟ وكيف امتلكت الإمارات القدرة على التخاطب مع الجميع، خاصة الدول الكبرى والمتنافسة فيما بينها، في حين أن إيران غير قادرة على الاحتفاظ بأصدقائها؟ وكيف استطاعت الإمارات الدفاع عن نفسها في مواجهة صواريخ إيران الباليستية، التي أفرغت الميزانية الإيرانية وأفشلتها بكل سهولة؟
في الواقع، إيران بعد 47 عامًا خرجت خاسرة في كل شيء، لا في اقتصادها ولا في علاقاتها مع الخارج، وربما مع الداخل نفسه، والسبب هو النظام الذي يحكمها، والذي لا يرى سوى نفسه. وخرجت إيران بعد كل هذه العقود متوترة، لأن ما وعد به نظامها «الملالي» شعبه لم يفِ به، وبالتالي يحاول هذا النظام الحفاظ على نفسه للبقاء في السلطة أو أن يموت قبل أن يحاكمه الشعب.
إن اختطاف مضيق هرمز لن يحل الفشل الكبير لإيران، بقدر ما يوحد العالم ضدها، بما فيهم حلفاؤها مثل الصين وروسيا، بل ويضاعف من الرغبة الدولية في التخلص من النظام نهائيًا، لأنه لا يجيد لغة سوى تهديد العالم.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة