حرب الظل تتمدد.. العراق ميدان «تصفية الحسابات» بين واشنطن وطهران
في تطور يثير مخاوف من تحوّل البلاد إلى جبهة إضافية في الصراع الإقليمي الآخذ في الاتساع، برز العراق في الآونة الأخيرة بوصفه ساحة تصعيد جديدة ضمن التوتر بين إيران وأمريكا وإسرائيل.
هذا التصعيد جاء عقب الغارات الجوية التي استهدفت مواقع إيرانية في 28 فبراير/شباط، إذ شهدت الأراضي العراقية موجة متزايدة من الهجمات التي تنفذها مليشيات مدعومة من طهران، ما أعاد رسم ملامح التوتر في المنطقة ورفع احتمالات انزلاق العراق إلى مواجهة أوسع.
ووفقا لمجلة «ذا ناشيونال إنترست»، تركزت هذه الهجمات بصورة خاصة في إقليم كردستان شمال البلاد، حيث استهدفت الطائرات المسيّرة والصواريخ قواعد ومصالح أمريكية، إلى جانب مواقع لقوات التحالف الدولي، فضلاً عن مقار لجماعات المعارضة الكردية الإيرانية.
وتشير تقديرات إعلامية إلى وقوع أكثر من 270 هجوماً خلال فترة زمنية قصيرة، الأمر الذي دفع واشنطن إلى التحرك دبلوماسياً؛ إذ أجرى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو اتصالاً برئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني في 9 مارس/آذار، أعرب خلاله عن إدانته لما وصفه بـ"الهجمات الإرهابية" التي تنفذها إيران والمليشيات المتحالفة معها داخل العراق.
غير أن هذا الاتصال لم يسهم في خفض التصعيد، بل استمرت الهجمات وتزايدت حدتها، فيما أعلنت إيطاليا لاحقاً اعتقادها أن استهداف قواتها في العراق كان متعمداً.
وتنفذ هذه العمليات فصائل مسلحة عراقية ترتبط بعلاقات وثيقة مع إيران، وتعمل ضمن إطار أوسع هو قوات الحشد الشعبي، الذي تأسس عام 2014 في سياق الحرب على تنظيم داعش.
غير أن هذا الكيان لا يمثل تنظيماً موحداً، بل يضم تحت مظلته عشرات الفصائل المختلفة، بينها كتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، ومنظمة بدر، وكتائب سيد الشهداء.
ومنذ نهاية فبراير/شباط تعرضت معسكرات ومواقع لهذه الفصائل لسلسلة غارات جوية مجهولة المصدر، أسفرت عن مقتل العشرات من عناصرها.
كما أعلنت وزارة الدفاع العراقية في الثالث عشر من مارس/آذار، أن إحدى وحدات الحشد الشعبي تعرضت لهجوم بطائرات مسيّرة انتحارية، في وقت تحدثت فيه تقارير غير مؤكدة عن احتمال استخدام طائرات مسيّرة من طراز "لوكاس" الأمريكية الصنع.
غير أن فهم المشهد لا يكتمل من دون وضعه في سياقه الاستراتيجي الأوسع. فإيران عملت على مدى سنوات على ترسيخ نفوذ هذه المليشيات في العراق، بهدف تحويل البلاد إلى ساحة مواجهة غير مباشرة مع خصومها الإقليميين والدوليين.
وقد تجلّى هذا الدور في عدة أحداث سابقة، أبرزها الهجوم الذي نُسب إلى كتائب حزب الله على قاعدة أمريكية في الأردن مطلع عام 2024، والذي أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين.
توسيع المواجهة
وتتميز الموجة الحالية من التصعيد بحجمها غير المسبوق؛ إذ شهد العراق مئات الهجمات خلال نحو اثني عشر يوماً فقط، ما يشير إلى توجه إيراني واضح نحو توسيع نطاق المواجهة وجعل العراق ساحة قتال رئيسية.
ويكتسب استهداف إقليم كردستان دلالة استراتيجية خاصة، إذ يحتضن الإقليم قنصلية أمريكية كبيرة في أربيل، كما أعادت الولايات المتحدة خلال العام الماضي تمركز جزء من قواتها هناك، ما جعله نقطة ارتكاز مهمة للعمليات الأمريكية في سوريا.
وإلى جانب ذلك، يتمتع الإقليم بأهمية جيوسياسية إضافية لكونه يصدر النفط عبر تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي يضعه عند تقاطع استراتيجي يربط بين العراق وإيران وتركيا وسوريا.
هدفان إيرانيان
ومن خلال استهداف هذه المنطقة، يبدو أن طهران تسعى إلى تحقيق هدفين متوازيين:
- تحييد جماعات المعارضة الإيرانية الموجودة في كردستان
- تشتيت تركيز الجيش الأمريكي بين الدفاع عن مصالحه في العراق ومواجهة التوتر المباشر مع إيران.

وتزداد تعقيدات المشهد بسبب الطبيعة التنظيمية المرنة للفصائل المسلحة المدعومة من إيران؛ إذ لا تعمل تحت قيادة مركزية موحدة، بل تنشط عبر شبكة من الكيانات المتغيرة والمتعددة. فإلى جانب الفصائل المعروفة، تظهر تشكيلات واجهة جديدة مثل "سرايا أولياء الدم"، بينما يشكل إطار "المقاومة الإسلامية في العراق" مظلة أوسع للعمليات العسكرية ضد المصالح الأمريكية.
هذه البنية الشبكية تجعل من الصعب استهداف هذه الجماعات بشكل حاسم، حتى مع تنفيذ ضربات جوية على مراكزها الرئيسية في مناطق مثل سهول نينوى ومحيط الموصل ومناطق قرب كركوك وغرب الأنبار قرب الحدود السورية، إضافة إلى استهداف معسكر صقر قرب بغداد.
تحديات اقتصادية
ولا تقتصر تداعيات هذا التصعيد على البعد العسكري فحسب، بل تمتد أيضاً إلى الاقتصاد العراقي. فقد تعرضت ناقلات نفط لهجمات قبالة السواحل العراقية قرب الكويت، بينما أدى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز إلى تعطيل جزء من صادرات النفط العراقية عبر الخليج، ما يضع بغداد أمام تحديات اقتصادية كبيرة.
ورغم وجود بدائل مثل خطوط الأنابيب عبر كردستان، فإن قدرتها الاستيعابية المحدودة لا تكفي لتعويض الصادرات عبر الخليج، وهو ما قد يفاقم الضغوط الاقتصادية ويثير مخاوف تتعلق بالأمن الغذائي والاستقرار الداخلي.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبدو العراق اليوم أكثر عرضة من أي وقت مضى للتحول إلى ميدان لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية، في وقت لا يزال فيه النظام السياسي والاقتصادي في البلاد هشاً، الأمر الذي يجعل تداعيات هذا الصراع مرشحة لمزيد من الاتساع في المرحلة المقبلة.