العراق وحصر سلاح المليشيات.. هل ينجح الزيدي في الاختبار الأصعب؟ (خبراء)
مع تعهد رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي بحصر السلاح في يد الدولة، يعود أحد أكثر الملفات تعقيداً في العراق إلى صدارة المشهد، في ظل توازنات داخلية شديدة الحساسية وتشابكات إقليمية تجعل أي مقاربة لهذا الملف محكومة بحسابات دقيقة.
فالحكومات العراقية المتعاقبة رفعت الشعار ذاته منذ عام 2003، لكن الواقع الميداني ظل يعكس نفوذاً متداخلاً بين مؤسسات الدولة والفصائل المسلحة، الأمر الذي يجعل مهمة الحكومة الجديدة اختباراً لقدرتها على المناورة بين الضغوط الدولية وتعقيدات الداخل العراقي.
وفي وقت تدفع فيه واشنطن باتجاه تقليص نفوذ الفصائل المرتبطة بإيران، عبر أدوات سياسية واقتصادية وأمنية، يرى خبراء استطلعت «العين الإخبارية» آراءهم، أن بغداد تقف أمام خيارات شائكة تتراوح بين المضي في إصلاحات تدريجية محدودة، أو الاكتفاء بإدارة التوازنات القائمة لتجنب أي تصعيد داخلي قد يهدد الاستقرار الهش.
وبين هذين المسارين، تبدو الحكومة الجديدة مطالبة بإعادة رسم معادلة دقيقة تحفظ هيبة الدولة، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع قوى تمتلك حضوراً سياسياً وأمنياً واسعاً داخل المشهد العراقي.
وتعهد رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي، المدعوم من الولايات المتحدة، بالسماح لقوات الدولة وحدها بحمل السلاح، في إطار سعيه إلى تلبية المطالب الأمريكية المتعلقة بمواجهة المليشيات المرتبطة بإيران والتي دعمت صعوده إلى السلطة.
فهل ينجح الزيدي في حصر السلاح؟
يقول المحلل السياسي العراقي الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن رئيس الوزراء خرج من عباءة الإطار التنسيقي، حتى وإن اتسم الأمر بضغوط دولية وإقليمية فرضت أثرها بشكل أو بآخر.
وأوضح أن قدرة رئيس الوزراء الجديد على فرض مبدأ حصر السلاح ستبقى أسيرة التجاذبات المحلية (غير الوطنية) وتوازناتها الطائفية بخاصة منها ذات الامتداد الإيراني الذي يقف بوجه التغيير الفعلي الحاسم.
في السياق نفسه، قال اللواء الركن الدكتور محمد عاصم شنشل والخبير العسكري العراقي، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن موضوع حصر السلاح بيد الدولة أصبح نهجاً متكرراً منذ عام 2004 عندما شُكّلت أول حكومة، حكمت العراق، مؤكدة صعوبة حصر السلاح بيد الدولة، ما دامت إيران هي المتحكمة في الوضع بالعراق.
السيناريوهات المحتملة
بحسب الخبير العسكري العراقي شنشل، فإنه لا وجود لأي سيناريو مثبت أو موجود، حتى وإن كان يُملى على الحكومة التي شُكلت منذ أيام، عازيًا ذلك إلى الفصائل الموجودة في العراق الموالية لإيران التي قال إنها أقوى من الحكومة، والجيش العراقي، أو حتى الفصائل الأمنية التي تتبع الدولة.
وأوضح شنشل، أن الفصائل الموالية لإيران والتي يدعمها بشكل رئيسي الحرس الثوري، هي المتحكمة لكل مفاصل الدولة، لذلك لا وجود لأي سيناريو محتمل.
في السياق نفسه، قال المحلل السياسي العراقي تيسير عبدالجبار الآلوسي، أن قرارات رئيس مجلس الوزراء المحتملة لن تكون بمعزل عن وزرائه وما يعبرون عنه من امتداد أو خلفية، فضلا عن أن الواقع السياسي في العراق مازال يحيّد الإرادة الشعبية ويقصيها عن لعب دور مناسب في اتخاذ القرار الوطني وتنفيذه ما ينعكس بالانقسامات الطائفية وسطوتها على الذهنية الفاعلة الممسكة بالقرار.
وحذر من نشوء مقاومة سلبية خطيرة ربما تستخدم العنف المسلح في رفضها تسليم السلاح وفي رفضها القبول بالقرار السياسي الوطني، مشيرًا إلى أنه حال أُجبرت بشكل متسرع بالتفكيك وحل التشكيلات وتسليم السلاح فإنها عند ذاك ربما تتخذ من إشاعة الفوضى بالاغتيالات وإشعال حرائق الصراع بمستوى قد يصل لفرض حرب أهلية تتطلب وعيا في ردع توجهات مشعليها.
لكن أيضا بحال وجود فعلي للإرادة الدولية والدعم الملموس، فإن السيناريو السياسي الهادئ يمكنه أن يتحقق بشرط توافر مقدمات تفعيل الإرادة الوطنية وأدائها المبرمج على وفق استراتيجية مختلفة نوعيا جوهريا، في سيناريو يبدو الأضعف تحقيقه.
الأمر نفسه، أشار إليه الدكتور حكيم عبدالكريم المحلل السياسي العراقي، قائلا في حديث لـ«العين الإخبارية»، إنه من الصعوبة بمكان التحدث عن تفكيك أو تقييد نفوذ الفصائل المسلحة؛ وخاصة وأن بعض هذه الفصائل منضوية تحت لواء الحشد الشعبي، الذي يعد أحد المكونات التي أوصلت الزيدي إلى الحكم.
تأثير الضغوط الأمريكية
وحذر شنشل، من احتمالية تواجد صدامات مسلحة بين الفصائل الموجودة وأذرع إيران من جهة، والمكونات العسكرية والأمنية التابعة إلى الدولة من جهة أخرى.
أما عن الضغط الأمريكي المتوقع لدفع الزيدي لحصر السلاح بيد الدولة، اعتبر شنشل أن ذلك الضغط لا وجود له بشكل فعلي، على حد قوله، لأن الضغط الأمريكي لو وُجد في العراق لكان العراق «تحرر من قبضة كل الفصائل الإيرانية».
وحول الضغوط الأمريكية للإسراع في ذلك الملف، يقول الدكتور تيسير الآلوسي، إن الضغط يحتاج إلى قراءة طبيعة السلطة في بغداد ووسائل دفعها نحو الأهداف التي يمكنها أن تُنهي انقسام الحال بين دويلات الطوائف حيث لا وجود لدولة رسميا فعليا في العراق بوجود كل ذاك التفكك والانقسام الذي يعني أن خطوات الضغط الاقتصادي وحدها لا تكفي ولا تفي، إن لم يكون لها من رديف يلجم تلك العراقيل الكأداء في الشأن العام.
وأوضح تيسير الآلوسي، إنه إذا أردنا فرض حصر السلاح بيد الدولة، فيجب توافر استراتيجية وطنية، محذرًا من أن التسرع باستعجال تلبية المهمة ستؤدي إلى تفجرات غير محمودة العواقب.
وحذر الدكتور حكيم عبدالكريم المحلل السياسي العراقي، من أن الضغط الأمريكي قد يؤدي إلى تصعيد داخلي، لكن لا يمكن أن نعتقد بأنها ستؤدي إلى صدام المسلح، لأن كل الجماعات ما يسمى الخارجة عن القانون، أو جماعات المليشيات... هم من الطائفة الشيعية، ومن الناحية العقائدية لا يمكن أن تحدث الشرخ الكبير والصدام الكبير.
لكن يمكن أن تؤدي إلى بعض التجاذبات السياسية، وكذلك حراك سياسي بين الكتل الشيعية، لأن الكتل المعتدلة أكثر من الأخرى، يقول عبدالكريم، مستدركا بقوله: إن المشكلة الأساسية تكمن في أن هناك تيارات أو حركات أو جماعات مسلحة، لا تنضم إلى لا الحشد الشعبي، ولا تلك الكتل السياسية المنضوية تحت قبة البرلمان، مما يعني أن أي قرارات في هذا الصدد لن تكون حاسمة.
العراق والمرحلة المقبلة
بحسب شنشل، فإنه لا وجود لاستقرار دائم في العراق حاليا، كونه مقسم إلى أكثر من جهة؛ إيران من جهة، وأمريكا وبعض الدول الأخرى من الجهة المقابلة.
وأشار إلى أن الحكومة العراقية غير قادرة على إيقاف التحركات المشبوهة من قِبل الفصائل الإيرانية، كون تسليح الجيش العراقي والقوات الأمنية لا شيء أمام تسليح الفصائل الموالية لإيران ومنها الحشد الشعبي والنجباء.
فيما قال، الدكتور الآلوسي، إنه طالما البديل الراهن مازال بأيدي القوى التي أدارت العراق منذ 2003 فإن الأوضاع ليست على ما يرام وستحافظ على انحدارها حتى يأتي البديل.
وتوقع أن «العراق لن يشهد استقرارا في ضوء تعقيدات جارية فيه وبعموم المنطقة بل سيشهد تفاقم الأزمات والصراعات والتهابها بصورة متفجرة».
وأكد أن العراق لن يجد تغييرا في ظل برامج وقوى متناسلة من ذات قوى الحكم الطائفي وتشكيلاته المسلحة الإرهابية وهي قوى لا يعنيها الإصلاح، ما يتطلب فعليا تغييرها.
وحول التطور الأخير بإيقاف واشنطن قياديا في كتائب حزب الله، قال شنشل، إن الكثير من الهجمات الإرهابية التي تمت منذ عام 2010 حتى إيقاف الاستنزاف الإرهابي الداعشي، كانت بدعم وإسناد جوي إيراني.
هل بدأ التأثير الإيراني في المعادلة العراقية يخفت؟
بحسب الآلوسي، فإنه منذ انكسار الهبة الشعبية التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2019، عاد التأثير الإيراني وتدخلاته ليس عبر أدواته من الذيول بل حتى في عديد الأحيان بصورة مباشرة معلنة.
وأوضح أن حرب إيران الأخيرة مع أمريكا وإسرائيل، دفعتها للتمسك بسطوة الميليشيات الإرهابية في العراق بكل صنوف مسمياتها، مؤكدًا ضرورة وجود قراءة واضحة للتدخلات الإيرانية في العراق.
وشدد الآلوسي، على ضرورة أن توظف القوى الدولية في لجم قوى الإرهاب وإنهاء وجودها، مطالبا باستراتيجية نوعية جديدة كما تلك التي هزمت داعش، لإقصاء إيران من المشهد العراقي.