التمويل الإسلامي.. ركيزة المنطقة إلى العدالة المناخية (حوار)
يُشير مصطلح «التمويل الإسلامي» في سياق العمل المناخي، إلى استخدام مبادئ الشريعة الإسلامية لتوجيه الاستثمارات والأدوات المالية، مثل الوقف أو الزكاة أو الصكوك الخضراء، نحو تمويل المشاريع الصديقة للبيئة.
وتستهدف التمويلات الخضراء مكافحة آثار التغيرات المناخية، مثل مشاريع الطاقة المتجددة أو إدارة المياه أو الزراعة المستدامة أو المباني الموفرة للطاقة، والمشاريع التي تهدف إلى تقليل الانبعاثات الدفيئة وتعزيز المرونة المناخية بصورة عامة.
ويُمثل التمويل الإسلامي المستدام دمجًا بين الاستثمار الأخلاقي والاستدامة البيئية، وهو يوافق مبادئ الشريعة الإسلامية، ما يجعله تمويلًا متوافقًا مع شريحة واسعة من الناس.
وفي هذا الصدد، أجرت "العين الإخبارية" حوارًا مع مستشار حملة "التمويل الإسلامي لأجل الأرض" التابعة لمشروع أمّة لأجل الأرض في "غرينبيس" الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، طارق العليمي. خلال الحوار، حدثنا العليمي دور التمويل الإسلامي في دعم العدالة المناخية في منطقتنا العربية، والتي تُعد من أكثر المناطق تأثرًا بالتغيرات المناخية على سطح الأرض.
إليكم نص الحوار..
1- ما تقديركم لأصول التمويل الإسلامي اليوم وما دوره في دعم الحلول المناخية؟
يملك قطاع التّمويل الإسلامي اليوم أصولًا عالمية تُقدَّر بنحو 5 تريليون دولار أمريكي، ومن المتوقّع أن تصل إلى 6.7 تريليون دولار بحلول عام 2027، وفقًا لتقرير تطوير التّمويل الإسلامي الصّادر عن LSEG. ويكتسب هذا النّمو أهميّةً خاصّةً لأنه يمثّل كتلة ضخمة من رأس المال يمكن توجيهها نحو الحلول المناخيّة.
وتشير تحليلاتنا إلى أنّ ّتخصيص 5% فقط من هذه الأصول للاستثمار في الطاّقة المتجددة بحلول عام 2030 قد يتيح إطلاق ما يُقدَّر بنحو 400 مليار دولار للتّمويل المناخي. وبالنّظر إلى هذه الأرقام، نعتبر التمّويل الإسلامي أكبر حركة تمويل أخلاقيّة في العالم.
2- وما دور التمويل الإسلامي في دعم العدالة المناخية؟
يمكن للتّمويل الإسلامي أن يعزّز العدالة المناخيّة في منطقتنا والعالم. تتمثّل الفرصة الأكثر إلحاحًا في سدّ فجوة التّمويل المناخي، خصوصًا في الدّول ذات الأغلبية المسلمة الأكثر عرضةً لآثار تغيّر المناخ. إذ يمكن للصكوك الخضراء تمويل النّقل النّظيف والزّراعة المستدامة ومشاريع الطّاقة المتجدّدة واسعة النطاق، مع الحفاظ على مستوى عالٍ من المساءلة البيئية طوال دورة حياة المشروع. كما يمكن لأدوات التّمويل الاجتماعي الإسلامي، مثل الزّكاة الخضراء والوقف الأخضر، توجيه الموارد نحو المجتمعات الأكثر تضررًا من تغيّر المناخ، بما يربط حماية البيئة بمبادئ إسلاميّة مثل المصلحة العامّة والعدل.
3- وكيف يدعم التمويل الإسلامي تبني مفهوم الطيّب؟
إنّ الفرصة الأعمق؛ فهي ذات بعد مفاهيمي، وقد تناولناها في تقرير حوار تحالف أمّة لأجل الأرض ذاتيّ التنظيم للمساهمة في حصيلة التقييم الأخلاقي العالمي في إطار مؤتمر الأمم المُتّحدة في شأن تغيّر المناخ (COP30)؛ إذ يمتلك قطاع التّمويل الإسلامي فرصة للانتقال من مجرّد الامتثال لمعايير الحلال إلى تبنّي نهج مستلهم من مفهوم الطّيّب؛ فالحلال يركّز على ما إذا كان المنتج المالي مُهيكلًا بشكل صحيح ويتجنّب الأنشطة المحظورة، بينما يذهب نهج الطّيّب إلى أبعد من ذلك، فيسأل عمّا إذا كان المنتج يحقّق منفعة فعليّة للإنسان والبيئة والأجيال القادمة. ومن شأن هذا التّحوّل أن يرسي سابقة عالميّة في مجال التّمويل الأخلاقي، مقدّمًا طرحًا متميزًا في سوق تواجه فيه العديد من المنتجات الماليّة الخضراء تساؤلات حول أثرها الحقيقي.
4- برأيكم كيف يمكن دعم التمويل الإسلامي ليكون فعّالًا؟
تتمثّل الخطوة الأهم لدعم التّمويل الإسلامي الأخضر والمستدام وزيادة فعاليّته في تطوير أطر متّفق عليها ومتوافقة مع الشّريعة لإصدار الصّكوك الخضراء والصّكوك التّي تخدم أهداف التنمية المستدامة. وتضطلع هيئات تنظيميّة مثل هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسّسات الماليّة الإسلاميّة (AAOIFI) ومجلس الخدمات الإسلاميّة الماليّة (IFSB) بدور محوري في هذا السّياق. فبدون معايير مشتركة، يواجه المستثمرون قدرًا غير ضروري من عدم اليقين، وتظّل تكاليف المعاملات مرتفعة.
كما يتعيّن على المؤسّسات الماليّة الإسلاميّة تطوير أطر للاستدامة تدمج مبادئ الشّريعة مع معايير الحوكمة البيئيّة والاجتماعيّة، وتحديد أهداف قابلة للقياس للتمويل الأخضر تتماشى مع المساهمات المحدّدة وطنيًا لكّل دولة، إلى جانب نشر تقارير دوريّة عن التّقدم المحرز.
5- وماذا عن بناء القدرات؟
ويُعدّ بناء القدرات أمرًا بالغ الأهميّة كذلك. ففي هذا الإطار، تعمل مبادرة التّمويل الإسلامي المستدام (ISFI)، وهي شراكة بين مبادرة التّمويل الأخلاقي العالميّة (GEFI) ومجلس التّمويل الإسلامي في المملكة المتّحدّة (UKIFC) ومنظمة غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في إطار تحالف أمّة لأجل الأرض، على معالجة هذا التّحدي من خلال برامج يقودها خبراء وممارسون، تهدف إلى تزويد المتخصّصين في التمويل الإسلامي بالأدوات اللاّزمة لدمج الاستدامة ضمن سياق متوافق مع الشريعة. كما ينبغي على صناّع السّياسات تهيئة بيئات تنظيميّة داعمة، عبر وضع إرشادات للصكوك الخضراء وتقديم حوافز عملية.
6- وما دور العلماء الشرعيين في دعم التمويل الإسلامي المستدام؟
بالطبع، للعلماء الشّرعيين دور مباشر أيضًا، يتمثّل في إصدار الأحكام المتعلّقة بالتّمويل المستدام، والتّفاعل مع الأدّلة البيئية، والمساهمة في إعداد التّصنّيفات الخاصة بمشاريع الطاقة المتجددة. فالأمر لا يتعلق بفرض أجندات استدامة خارجيّة على الشّريعة، بل إن رعاية البيئة متجذرة أصلًا في مبادئ إسلامية مثل الخلافة والميزان. ويتمثّل التّحدّي في ترجمة هذه المبادئ إلى ممارسات عمليّة، بحيث تصبح رعاية البيئة جزءًا لا يتجزّأ من كلّ قرار مالي.