في أيامٍ خَلَت، تحت سماء المملكة المتحدة، وتحديدا في مدينة درم -Durham، اعتدتُ أن أقرأ وأكتب لساعات طويلة موزعة بين الصباح والمساء في مقهى «كافيه نيرو».
هناك تعرّفتُ إلى شخصٍ جعل من حاسوبه المحمول مكتباً متنقلاً، يعمل يومياً في أعمال متعددة، بلا عقد ثابت ولا ربّ عمل واحد. ومع مرور الوقت، نشأت بيننا علاقة مهنية وفكرية، عرض خلالها التعاون في مراجعة وتدقيق نصوصي الإنجليزية، بحكم كونه ناطقاً أصلياً Native Speaker، ومتخصصاً في التدقيق اللغوي (Proofreading).
لكن القيمة الحقيقية لهذه العلاقة لم تكن في العمل وحده، بل في الحوار الذي فتحه حول حياة العامل الحر (Freelancer).
حياة تبدو، للوهلة الأولى، نموذجًا للاستقلال المهني والمرونة، لكنها تخفي وراءها قلقًا دائمًا من المستقبل، وخوفًا من فقدان العمل والصحة. ومن خلال هذه الحوارات، تعرّفت إلى مؤلفات ومحاضرات المفكر البريطاني جاي ستاندنج (Guy Standing)، الذي ينذر بصعود طبقة «البريكاريا» (The Precariat)، والتي تعرف بكونها طبقة تتحمل عبء العمل والمعيشة معًا، وتُجبر على تعدد الوظائف والأعمال، بأجور منخفضة واستقرار شبه معدوم، ومن دون ضمانات اجتماعية وصحية كافية.
من هذه التجربة الإنسانية والفكرية، بدأ اهتمامي بالأمان الوظيفي، ليس فقط بوصفه عقدًا دائمًا أو مؤقتًا، بل كحالة نفسية واقتصادية مركبة تتداخل فيها عناصر الدخل المستقر أو المنقطع، والمهارات المتجددة، والقدرة على التكيف، وشبكات الحماية الاجتماعية والصحية. وهو ما تؤكده منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، حين ترى أن الأمان الوظيفي لا يُقاس بطول البقاء في وظيفة واحدة، بل بقدرة الفرد على الانتقال السلس بين الوظائف، والعودة السريعة إلى سوق العمل عند فقدانها.
في هذا السياق، لم يعد الأمان الوظيفي مجرد قضية اقتصادية، بل أصبح أحد محاور جودة الحياة، لما له من أثر مباشر على الاستقرار النفسي، والتوازن الأسري، والثقة بالمستقبل، إذ إن غيابه لا يخلق فقراً مادياً فقط، بل يولّد قلقًا مزمنًا ينعكس سلبًا على الإنتاجية، ويضعف الشعور بالانتماء المجتمعي، ويحبط من الرغبة في تكون أسرة، ويتحول إلى سببًا للجريمة والفساد، ويقوّض العلاقة بين الفرد المواطن والدولة.
ففي وقتنا الحاضر، يقف مفهوم الأمان الوظيفي بين رؤيتين متباينتين:
الرؤية الحديثة المعاصرة: ترى أن الدولة لم تعد مضطرة لتوفير وظيفة آمنة تقليدية، بل لبناء مسار مهني آمن، يضمن التعلم المستمر والمهارات المتجددة، مع شبكة دعم اجتماعي للفترة الانتقالية بين الوظائف؛ حيث من يفقد وظيفته، وفق هذا المنظور، ينتقل إلى مظلة الدعم الاجتماعي التي تكفلها الدولة، ريثما يعيد الاندماج في سوق العمل.
الرؤية الكلاسيكية: تعتبر الدولة الحكم والضامن الأساسي للأمان الوظيفي، من قاعدة أن ذلك يعتبر جزءًا من واجباتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
فالوظيفة ليست مجرد أجر، بل أداة تكوين واندماج اجتماعي، ووسيلة ولاء وانتماء، وقناة تواصل بين الفرد المواطن والنظام السياسي. وهي مؤشر على نجاح السياسات العامة، وطريق لإعادة توزيع الدخل القومي، وتنشيط الاستهلاك، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة.
هاتان الرؤيتان تضعان صانع القرار أمام معضلة حقيقية: كيف يمكن تعظيم الإنتاجية دون التضحية بكرامة الإنسان؟ وكيف نبني اقتصادًا مرنًا من دون أن يتحوّل المواطن إلى رقم في جداول التشغيل؟ عندما يُختزل الإنسان في سوق العمل فقط، يصبح الأمان الوظيفي أداة لاستمرارية الاقتصاد.
أما حين يُنظر إليه كعنصر أساسي في المجتمع، فيتحوّل إلى ركيزة للاستقرار الاجتماعي، ولثقة متبادلة بين الفرد والدولة، ولإنتاجية مستدامة قائمة على الطمأنينة لا على الخوف.
ولا يمكن فصل هذا الجدل عن التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي، التي قلصت الوظائف التقليدية، ودفعت المؤسسات الحكومية وشبة الحكومية والشركات والمصانع إلى تحسين الكفاءة بخفض عدد العاملين، مما جعل المجتمعات أكثر خضوعًا لمنطق الأرقام، وأكثر ميلًا لتقييم الإنسان بقدر إنتاجه، لا بقدر استقراره أو دوره الاجتماعي.
خلاصة عملية: لم يعد الأمان الوظيفي اليوم مفهومًا اقتصاديًا صرفًا، بل معادلة مركّبة تجمع بين مرونة السوق وصلابة الضمان الاجتماعي، وبين كفاءة الفرد ومسؤولية المؤسسة.
فهو الجسر الذي يربط الجوانب المادية بما تنتجه من سلع وخدمات وقيمة اقتصادية، والجوانب الاجتماعية بما تصنعه من استقرار أسري وتماسك مجتمعي وانحسار للجريمة والفساد.
فالمواطن الذي يشعر بالأمان في عمله، يشعر بالمكانة داخل وطنه، ويتحوّل من عنصر إنتاج مؤقت إلى شريك دائم في التنمية.
ومن هذا المنطلق والمنطق، تغدو السياسات الوطنية الرشيدة هي تلك التي تدمج الحماية الاجتماعية مع الاستثمار المستمر في تطوير المهارات، بما يجعل الحياة المهنية أكثر استقرارًا، والإنتاجية أكثر استدامة، والثقة بين المواطن والدولة أكثر رسوخًا.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة