غموض وتأجيل وضغوط داخلية.. ستارمر يتعثر في ملف أوروبا
يتحوّل مشروع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لإعادة صياغة العلاقة مع الاتحاد الأوروبي إلى أزمة سياسية متصاعدة، بعدما بدأت القمة المرتقبة بين لندن وبروكسل تفقد زخمها تحت وطأة الغموض والتأجيل وغياب الرؤية الواضحة.
فبعد أشهر من الترويج للاجتماع بوصفه محطة مفصلية لإحياء الاقتصاد البريطاني المتعثر وفتح صفحة جديدة مع أوروبا، لا يزال موعد القمة مجهولاً، فيما تتزايد الشكوك حول قدرة الحكومة العمالية في لندن على تحقيق اختراق حقيقي في هذا الملف شديد التعقيد، بحسب مجلة بوليتيكو الأمريكية.
وكانت حكومة حزب العمال البريطاني قد راهنت على عقد القمة خلال الصيف، بين أواخر يونيو/ حزيران ومطلع يوليو/تموز المقبلين، بهدف التوقيع على حزمة تفاهمات تشمل اتفاقية الأغذية الزراعية وتسهيلات تنقل الشباب، إلى جانب إطلاق مسار أوسع لتقريب الاقتصاد البريطاني من المنظومة الأوروبية.
غير أن هذا الرهان بدأ يتعثر مع مرور الوقت، خصوصاً بعدما أخفقت لندن وبروكسل حتى الآن في تثبيت موعد نهائي للاجتماع، الأمر الذي فتح الباب أمام تكهنات بشأن احتمال تأجيله أو تقليص سقف التوقعات المرتبطة به.
ورغم نفي مسؤولين بريطانيين وجود أي نية للتأجيل، مؤكدين أن الاتصالات مستمرة لتنسيق جداول القادة الأوروبيين، فإن استمرار الضبابية السياسية يثير قلقاً متزايداً داخل الأوساط الدبلوماسية والبرلمانية على حد سواء.
ويبدو أن العقبة لا تتعلق فقط بالتوقيت، بل تمتد أيضاً إلى طبيعة الملفات المطروحة، في ظل عدم وضوح الرؤية البريطانية بشأن الشكل النهائي للعلاقة الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي.
وفي محاولة لتحقيق مكاسب اقتصادية دون تجاوز الخطوط الحمراء السياسية، يسعى ستارمر ووزيرة المالية في حكومته راتشيل ريفز إلى توسيع مجالات التنسيق مع بروكسل، عبر القبول بالتوافق مع بعض القواعد الأوروبية في قطاعات محددة لم يُكشف عنها بعد.
إلا أن الحكومة البريطانية ما زالت تتمسك بتعهداتها الانتخابية الرافضة للعودة إلى الاتحاد الجمركي أو قبول حرية تنقل الأفراد، وهو ما يضيّق هامش المناورة ويضعف فرص الوصول إلى اتفاقات جوهرية.
هذا التناقض انعكس سريعاً على المفاوضات الجارية، إذ كشفت تسريبات من بروكسل أن مسؤولين أوروبيين رفضوا مقترحاً بريطانياً يقضي بانضمام المملكة المتحدة إلى السوق الأوروبية الموحدة للسلع فقط، من دون الالتزام بحرية التنقل، معتبرين أن الاستفادة من مزايا السوق لا يمكن أن تتم بصورة انتقائية.
وبينما تصف لندن هذا الطرح بأنه مجرد سيناريو من عدة خيارات قيد الدراسة، فإن المؤشرات الصادرة من الاتحاد الأوروبي لا توحي بوجود استعداد لتقديم تنازلات استثنائية لبريطانيا.
وفي الداخل البريطاني، بدأت الانتقادات تتصاعد بوتيرة لافتة. فقد اتهمت لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الحكومة باتباع سياسة “المراوغة والغموض”، معتبرة أن الوزراء يطرحون شعارات عامة من دون تقديم رؤية متماسكة أو توضيح لحجم التنازلات المطلوبة.
كما حذرت رئيسة اللجنة إميلي ثورنبري من أن الحكومة تبدو مترددة في مواجهة الحقائق السياسية المرتبطة بإعادة بناء العلاقة مع أوروبا.
وتزداد الضغوط على ستارمر بالتوازي مع تصاعد المنافسة داخل حزبه، حيث يواصل كل من آندي بورنهام وويس ستريتنغ تعزيز حضورهما السياسي، في مشهد يعكس مبكراً ملامح صراع داخلي على مستقبل قيادة حزب العمال.
ويأتي ذلك في توقيت حساس، إذ تخشى دوائر أوروبية من أن يؤدي الاضطراب السياسي داخل لندن إلى إضعاف قدرة الحكومة البريطانية على تقديم التزامات طويلة الأمد أو اتخاذ قرارات استراتيجية حاسمة.
وفي خضم هذه الأجواء المشحونة، تبدو بروكسل أكثر ميلاً إلى الترقب والحذر، وسط تساؤلات متزايدة بشأن مدى واقعية الطموحات البريطانية.
ويرى مراقبون أن القمة المنتظرة قد تتحول، بدلاً من أن تكون نقطة انطلاق نحو شراكة جديدة، إلى مناسبة تكشف عمق التباينات بين الجانبين، خاصة إذا استمرت لندن في محاولة الجمع بين مزايا التقارب الأوروبي والتمسك في الوقت ذاته بقيود “بريكست” السياسية.