سقوط «عقل داعش» في أفريقيا.. ضربة أمريكية تربك شبكات الإرهاب (خاص)
في قلب أفريقيا، حيث تتقاطع هشاشة حدود بعض الدول مع خرائط الفوضى والسلاح، وجّهت الولايات المتحدة ضربة نوعية لتنظيم داعش الإرهابي بإعلان مقتل أبوبلال المينوكي، الرجل الثاني في قيادة التنظيم.
الضربة التي جاءت خلال عملية أمريكية نيجيرية مشتركة استهدفت أحد أبرز العقول المدبرة لشبكاته في أفريقيا، القارة التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى الملاذ الأخطر للتنظيم بعد سقوط معاقله في العراق وسوريا.
ورغم أن التنظيم يحاول الظهور بوصفه شبكة قادرة على التكيف مع الضربات، فإن سقوط قياداته الكبرى يكشف حجم الارتباك الذي يضرب بنيته العملياتية، خاصة مع تصاعد الضغوط الأمنية والاستخباراتية عليه في غرب أفريقيا والساحل.
وفي هذا الإطار اعتبر خبيران تحدثت إليهما «العين الإخبارية»، أن مقتل المينوكي يمثل ضربة تكتيكية مؤثرة تربك شبكات داعش وتضعف قدراته في مجالات التنسيق والتمويل والتخطيط، حتى وإن كان التنظيم لا يزال يحتفظ بقدرة على إعادة إنتاج بعض قياداته بفعل بنيته اللامركزية المرنة.
وفي منشور عبر منصة «تروث سوشيال»، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن المينوكي كان يعتقد أنه قادر على الاختباء داخل أفريقيا، «لكنه لم يكن يعلم أن لدينا مصادر كانت تزوّدنا بمعلومات مستمرة حول تحركاته وأنشطته».
وأضاف ترامب أن القضاء على الرجل الثاني في التنظيم يمثل «ضربة كبيرة» لقدرات داعش العملياتية العالمية، مؤكدًا أن المينوكي «لن يكون قادرًا بعد الآن على إرهاب شعوب أفريقيا أو المساعدة في التخطيط لعمليات تستهدف الأمريكيين».
ضربة مهمة.. لكن ليست حاسمة
وفي قراءته للعملية، قال الدكتور أحمد ميزاب، الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن «مقتل أبوبلال المينوكي يمثل ضربة مهمة لتنظيم داعش من الناحية التكتيكية، لكنه لا يرقى بالضرورة إلى مستوى الضربة الحاسمة استراتيجياً على المستوى العالمي».
وأوضح أن «التنظيم لم يعد يعمل اليوم وفق النموذج المركزي الصارم الذي كان سائداً خلال مرحلة ما يسمى (الخلافة) في العراق وسوريا، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى شبكة لامركزية متعددة الأفرع والامتدادات».
وأضاف: «لذلك فإن استهداف قائد بحجم المينوكي يربك البنية العملياتية مؤقتاً، لكنه لا يعني تلقائياً انهيار التنظيم أو تفككه».
وأشار إلى أن «أهمية المينوكي تكمن في كونه أحد الوجوه المرتبطة بإدارة شبكات داعش في غرب أفريقيا، خاصة في فضاء حوض بحيرة تشاد والساحل».
وأضاف: «تشير المعطيات إلى أنه لعب أدواراً تتعلق بالتنسيق والتمويل وإدارة العلاقات بين الخلايا، وهو ما يجعل خسارته مؤثرة على مستوى الاتصالات وإعادة توزيع الموارد والتخطيط العملياتي».
لكنه شدد في الوقت نفسه على أن «التجارب السابقة أثبتت أن داعش الإرهابي يمتلك قدرة عالية على إعادة إنتاج قياداته وتعويض خسائره بسرعة، مستفيداً من بنيته المرنة ومن اعتماده على القيادات المحلية والشبكات الميدانية».
أفريقيا.. الملاذ الأخطر للتنظيم
وتأتي العملية في وقت تتزايد فيه التحذيرات الدولية من تحوّل أفريقيا إلى مركز الثقل الجديد لتنظيم داعش الإرهابي.
فبعد انهيار «الخلافة» المكانية في العراق وسوريا، اتجه التنظيم إلى إعادة التموضع داخل البيئات الهشة التي تعاني من اتساع الفراغات الأمنية.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور أحمد ميزاب أن «العملية تكشف أيضاً حقيقة استراتيجية أصبحت واضحة خلال السنوات الأخيرة، وهي أن أفريقيا تحولت تدريجياً إلى مركز الثقل الجديد لتنظيم داعش بعد خسائره في العراق وسوريا».
وأضاف: «المناطق الأكثر نشاطاً للتنظيم اليوم توجد في الساحل الأفريقي وغرب أفريقيا وشمال موزمبيق وبعض مناطق القرن الأفريقي، وليس في الموصل أو الرقة كما كان الحال سابقاً».
وأوضح أن ذلك يعود إلى «مجموعة من العوامل، أبرزها هشاشة الدول، وضعف السيطرة الحدودية، واتساع الفقر والصراعات المحلية، إضافة إلى الفراغات الأمنية التي سمحت للتنظيمات المسلحة بإعادة التموضع والتوسع».
وتابع: «داعش أدرك مبكراً أن أفريقيا توفر بيئة مناسبة لإعادة بناء النفوذ. فالقارة تمنحه عمقاً جغرافياً واسعاً، وسهولة في الحركة والتنقل، وقدرة على التجنيد، إضافة إلى مصادر تمويل مرتبطة بالتهريب والاقتصاد غير الرسمي وفرض الإتاوات».
وأشار إلى أن «ولاية غرب أفريقيا» أصبحت «من أخطر فروع التنظيم وأكثرها ديناميكية خلال المرحلة الحالية».
رسائل أمريكية متعددة
ولا تنفصل العملية عن التحولات في الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب داخل أفريقيا، خاصة في ظل إدارة ترامب.
فبدل الانخراط في تدخلات عسكرية واسعة، باتت واشنطن تعتمد بصورة أكبر على الضربات الدقيقة والطائرات المسيرة والشراكات مع الجيوش المحلية.
وفي هذا الإطار، قال الدكتور أحمد ميزاب إن «تنفيذ العملية بشراكة أمريكية نيجيرية يحمل دلالات سياسية وأمنية مهمة».
وأوضح أن «الولايات المتحدة تريد التأكيد بأنها لم تنسحب من ملف مكافحة الإرهاب في أفريقيا رغم انشغالها بملفات دولية أخرى مثل الصين وروسيا وأوكرانيا والشرق الأوسط».
وأضاف أن العملية «تعكس تحولاً في العقيدة الأمريكية نحو الاعتماد على الشركاء المحليين والاستخبارات والضربات الدقيقة والطائرات بدون طيار، بدلاً من التدخلات العسكرية الواسعة والمكلفة، واحتراماً لإرادة الدول في المنطقة الرافضة لمبدأ التدخلات الخارجية».
وأشار إلى أن هذا النمط من العمليات «ارتبط بشكل واضح بالاستراتيجية التي تبناها دونالد ترامب، والقائمة على استهداف القيادات وتفكيك مراكز القرار داخل التنظيمات الإرهابية».
وأضاف: «حققت هذه المقاربة نتائج ملموسة على المستوى التكتيكي، من خلال قتل عدد من القادة وإرباك الشبكات وتقليص القدرة على التخطيط المركزي».
لكنه استدرك قائلاً: «في المقابل لم تنجح في القضاء على البيئة المنتجة للتطرف، لأن التنظيمات الإرهابية لا تنمو فقط بفعل القيادة، بل أيضاً بفعل الهشاشة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وضعف مؤسسات الدولة والتدخلات الخارجية».
هل انتهت فاعلية «قطع الرأس»؟
وتعيد العملية أيضًا الجدل بشأن سياسة «قطع الرأس» التي اعتمدتها واشنطن طوال السنوات الماضية، والقائمة على تصفية القيادات الكبرى للتنظيمات الإرهابية.
وفي هذا الصدد، قال الدكتور أحمد ميزاب: «أما بشأن استراتيجية قطع الرأس، فإن العملية تؤكد أنها لا تزال فعالة جزئياً، لكنها لم تعد كافية لوحدها».
وأوضح أن «هذه الاستراتيجية كانت أكثر نجاعة عندما كان التنظيم مركزياً وهرمياً، أما اليوم فداعش بات أقرب إلى منظومة شبكية مرنة، تستطيع الاستمرار حتى بعد خسارة بعض القيادات».
وأضاف: «لذلك فإن قتل القادة يضعف التنظيم لكنه لا ينهيه».
وفي السياق ذاته، قال الخبير الأمني علي الزرمديني، لـ«العين الإخبارية»، إن التنظيمات الإرهابية «أثبتت عبر التاريخ والواقع أنها لا تنتهي بسهولة، بل تعيد التموضع وتغيّر استراتيجياتها وتكتيكاتها وفق الظروف والمعطيات الميدانية».
وأوضح أن تنظيم داعش الإرهابي انتقل من مرحلة «اكتساح الجغرافيا» والسعي للسيطرة المكانية كما حدث في العراق وسوريا، إلى استراتيجية جديدة تقوم على «حرب العصابات والخلايا الصغيرة والانتشار داخل البيئات التي تنتعش فيها الفوضى والفراغات الأمنية».
وأضاف أن التنظيم «لم يعد يعتمد على السيطرة المباشرة على الأرض بقدر ما بات يتحرك وفق نموذج أكثر مرونة وتكيفاً، يتغير بحسب الظروف دون أن يعني ذلك انتهاء التنظيم أو القضاء عليه نهائياً».
وأشار زرمديني إلى أن داعش، رغم خسارته معاقله الرئيسية في سوريا والعراق، «أصبح اليوم أكثر انتشارًا واتساعًا على المستوى العالمي»، موضحًا أن أفريقيا باتت تحتضن التنظيم عبر جماعات مهيكلة ومنظمة تمتلك في بعض المناطق نفوذًا وسيطرة جغرافية.
وأضاف أن أوروبا لا تزال تشهد وجود «خلايا نائمة» تتحرك وفق المعطيات والظروف، سواء عبر الذئاب المنفردة أو الشبكات السرية، بينما يتمركز التنظيم في شرق آسيا عبر مجموعات وخلايا تحمل العقيدة نفسها التي تتحرك بها فروع داعش في أفريقيا.
وأكد أن «فلول التنظيم لا تزال موجودة بقوة في سوريا والعراق، خصوصًا في البادية السورية وصحراء الأنبار العراقية، رغم كل الضربات التي تلقاها خلال السنوات الماضية».
واعتبر الزرمديني أن أفريقيا أصبحت «الحلقة الرئيسية لنشاط التنظيمات الإرهابية»، في ظل التحولات والصراعات الدولية داخل الساحل وغرب أفريقيا، التي تحولت إلى نقطة تمركز أساسية لمختلف الجماعات الإرهابية.
وشدد على أن سياسة «قطع الرأس» عبر استهداف القيادات «لا تعني بالضرورة نهاية الإرهاب»، موضحًا أن التنظيمات الإرهابية تمتلك «آليات تعويض قيادي سريعة» بحكم طبيعتها الهيكلية العنقودية والهرمية.
وقال إن هذه التنظيمات «تملك تسلسلاً قيادياً واضحاً يحدد من يتولى القيادة عند مقتل أي عنصر بارز، ولذلك فإن سقوط القيادات لا يؤدي تلقائيًا إلى انهيار التنظيم».
وأضاف أن التنظيمات الإرهابية «تسعى دائماً إلى الثأر لقياداتها وتعويض خسائرها بسرعة»، مشيرًا إلى أن تأثير مقتل القادة يبقى محدودًا ما لم تُعالج البيئات التي تسمح لهذه التنظيمات بالاستمرار وإعادة التشكل.
تنظيم أكثر تعقيدًا وخطورة
وحول مستقبل داعش يرى ميزاب أن التنظيم لا يتجه نحو الاختفاء، بل نحو مزيد من التحول والتكيف.
وقال: «المستقبل الأقرب لا يشير إلى اختفاء داعش، بل إلى إعادة هيكلته بشكل أكثر تعقيداً ومرونة».
وأضاف: «فالتنظيم قد يصبح أقل ظهوراً إعلامياً، لكنه أكثر اندماجاً في الاقتصاد الإجرامي المحلي وأكثر اعتماداً على حرب الاستنزاف والخلايا الصغيرة العابرة للحدود».
وحذر من أن «الخطر الحقيقي لا يكمن في عودة (الخلافة) بالشكل التقليدي، بل في تحول التنظيم إلى شبكة غير مرئية ممتدة داخل أفريقيا يصعب احتواؤها بالحلول العسكرية وحدها».
وأكد أن «أي مواجهة فعالة مع داعش مستقبلاً لن تكون أمنية فقط، بل ستحتاج إلى مقاربة شاملة تشمل التنمية، وتعزيز مؤسسات الدولة، وضبط الحدود، والعمل الاستخباراتي، ومعالجة الأزمات الاجتماعية والسياسية التي تسمح للتطرف بإعادة إنتاج نفسه».
من هو أبوبلال المينوكي؟
ويُعد أبوبلال المينوكي، واسمه الحقيقي أبوبكر بن محمد بن علي، أحد أبرز قادة تنظيم داعش في أفريقيا، وواحدًا من أهم الشخصيات المرتبطة بإدارة شبكات التنظيم في غرب القارة.
وُلد المينوكي في ولاية بورنو النيجيرية، المعروفة بأنها من أخطر بؤر نشاط التنظيمات الإرهابية في أفريقيا، وأدرجته الولايات المتحدة عام 2023 على قوائم الإرهابيين العالميين.
كما صنفته وزارة الخزانة الأمريكية ضمن قائمة «الإرهابيين العالميين المحددين بشكل خاص»، وفرضت عليه عقوبات باعتباره مرتبطًا بتنظيم داعش الإرهابي.
وبحسب المعطيات الأمريكية، لعب المينوكي أدوارًا مركزية في التنسيق والتمويل وإدارة العلاقات بين الخلايا التابعة للتنظيم في فضاء الساحل وغرب أفريقيا.