المخابرات الدولية ترصد كيناهان: هل يكتب 2025 نهاية أخطر مافيا إيرلندية؟

عائلة كيناهان، التي ارتبط اسمها بالجريمة المنظمة العابرة للقارات، تواجه اليوم ضغوطًا متزايدة بعد عقود من الأنشطة السرية امتدت من أزقة دبلن إلى شواطئ كوستا ديل سول، وصولًا إلى دبي.
تحولت عائلة كيناهان من شبكة محلية في دبلن خلال ثمانينيات القرن الماضي إلى واحدة من أخطر المنظمات الإجرامية العابرة للحدود، لكن سنوات التوسع الطويلة تواجه الآن موجة تراجع واضحة مع تصاعد الضغوط القضائية والأمنية، إذ بات زعيمها كريستي كيناهان، المعروف بلقب "دابر دون"، وابناه دانيال وكريستوفر جونيور، هدفًا لمذكرات توقيف دولية ومكافآت أمريكية، وسط تفكيك متزايد لشبكاتهم الممتدة.
كريستي كيناهان، البالغ من العمر 68 عامًا، لم يكن يخطط منذ بداياته في عالم الجريمة للبقاء ضمن حدود دبلن، بل شرع منذ وقت مبكر في رسم معالم شبكة تهريب مخدرات دولية. واليوم، تُقدّر وزارة الخارجية الأمريكية مكافأة تبلغ 5 ملايين دولار لمن يقدم معلومات تؤدي إلى اعتقاله أو اعتقال أحد ابنيه: دانيال (48 عامًا) وكريستوفر جونيور (44 عامًا).
سقوط عائلة كيناهان أكبر شبكة مخدرات أوروبية
جاءت أحدث التطورات في هذا السياق مع تسليم شون ماكغوفرن، أحد أبرز مساعدي العائلة، من دبي إلى السلطات الإيرلندية بتهمة القتل. وتزامن ذلك مع الكشف عن عملية أمنية نُفذت في أيلول/ سبتمبر 2023، حيث تم ضبط سفينة شحن تُعرف بـ"ناقلة نركو" كانت تحمل 2.2 طن من الكوكايين بقيمة تقديرية تجاوزت 132 مليون جنيه إسترليني، في عملية مشتركة بين السلطات الإيرلندية والأمريكية.
حتى وقت قريب، كانت "مجموعة كيناهان الإجرامية المنظمة" تُصنّف ضمن أكثر الشبكات الإجرامية تطورًا على مستوى العالم، مع وجود نشط في أكثر من 20 دولة. لكن بداياتها كانت أبسط بكثير، إذ سجّل كريستي أول إدانة له عام 1979 عندما حاول سرقة سيارة وهو في الثانية والعشرين من عمره.
وُلد كيناهان في آذار/ مارس 1957 ونشأ في أحد أحياء دبلن لعائلة محترمة، وعمل لفترة قصيرة سائقًا لسيارة أجرة بعد ترك المدرسة. ومع دخوله عالم الجريمة، بدأ بالاحتيال عبر الشيكات، ثم دخل لاحقًا في تجارة المخدرات، ليُحكم عليه عام 1987 بالسجن ست سنوات بعد العثور على 130 غرامًا من الهيروين في شقته بدبلن.
مايكل أوسوليفان، الضابط الذي تولى التحقيق مع كيناهان في تلك الفترة، وصفه بأنه كان يختلف عن باقي المجرمين بمظهره وسلوكه الهادئ، موضحًا أنه كان يتحدث بلهجتين، الإيرلندية والبريطانية، ويقرأ الكتب في طريقه إلى المحكمة، كما أنه كان من أوائل السجناء الذين حصلوا على جهاز كمبيوتر داخل الزنزانة، وأظهر رغبة استثنائية في تعلّم اللغات، فأتقن الفرنسية، الإسبانية، الهولندية، الروسية والعربية باستخدام أشرطة "لينغوافون". هذا التميز اللغوي ساعده في بناء شبكة تهريب دولية لاحقًا.
العدالة الدولية تلاحق زعيم المافيا وأبنائه
في التسعينيات، تنقّل كيناهان بين دبلن، هولندا، بلجيكا وإنجلترا، حيث أقام علاقات وثيقة في بيرمنغهام. لكن انتقاله إلى إسبانيا في أوائل العقد الأول من الألفية كان بمثابة النقلة النوعية لنشاطه، إذ بدأت من هناك الشحنات الكبيرة من الكوكايين بالوصول من كولومبيا وشمال أفريقيا إلى أسواق أوروبا، خاصة في إيرلندا والمملكة المتحدة.
وفي عام 2006، أطلقت الشرطة الدولية عملية "شوفل"، بمشاركة أجهزة أمنية من إيرلندا، بريطانيا وإسبانيا، للتحقيق في نشاطات المجموعة انطلاقًا من كوستا ديل سول. ووصف "مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة" هذه العصابة بأنها "منظمة بإحكام، يقودها زعيم يتعاون بشكل وثيق مع ابنيه"، مؤكدًا امتداد نشاطهم إلى الصين، الولايات المتحدة، جنوب أفريقيا وغيرها.
لكن الاغتيال الذي وقع في أيلول/ سبتمبر 2015 لعضو العصابة غاري هاتش في ماربيا، وهو ابن شقيق جيرارد "ذا مونك" هاتش، فتح فصلًا جديدًا من الصراع الدموي. القتيل كان قد حاول قتل دانيال كيناهان على خلفية خلاف مالي. وبعد أشهر، في شباط/ فبراير 2016، تعرّض دانيال لمحاولة اغتيال في فندق ريجنسي بدبلن أثناء حضور ميزان لمباراة ملاكمة، حين اقتحم ستة مسلحين يرتدون زي الشرطة الفندق وأطلقوا النار من بنادق هجومية من نوع AK-47، ما أسفر عن مقتل ديفيد بيرن، أحد معاونيه.
لاحقًا، وُجّه الاتهام إلى جيرارد هاتش بتدبير هذا الهجوم، لكن المحكمة الإيرلندية برّأته بعد محاكمة استمرت ستة أشهر. وسجلت الأجهزة الأمنية 15 عملية قتل على الأقل خلال صراع الانتقام المتبادل بين الطرفين، من بينها عمليتان استهدفتا أشخاصًا بالخطأ.
وفي نيسان/ أبريل 2022، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عن مكافآت تصل إلى 5 ملايين دولار لمن يُقدّم معلومات تفضي إلى اعتقال كريستي كيناهان أو أحد ابنيه. وشمل الإعلان أربعة إيرلنديين آخرين، مع ورود تقارير عن احتمال وجود صلات بين العصابة وتنظيم حزب الله اللبناني. وصرّح مسؤول أمريكي بأن التعامل مع كيناهان بات مشابهًا لما كان مع "الكامورا" الإيطالية، و"ياكوزا" اليابانية، و"لوس زيتاس" المكسيكية، و"إزمايلوفيسكايا" الروسية.
شبكة كيناهان الإجرامية تحت الحصار
في العام ذاته، حُكم على توماس "بومبر" كافاناه، الذي يُوصف بـ"الرئيس التنفيذي الأوروبي" للعصابة، بالسجن 21 عامًا بعد إدانته في محكمة إبسويتش بقضايا تتعلق بالمخدرات وغسل الأموال.
محاولات دانيال كيناهان لدخول عالم الملاكمة الاحترافي تعرضت لعراقيل، خاصة مع محاولته تقديم نفسه كمستشار لنجوم كبار مثل تايسون فيوري، قبل أن تبدأ الأوساط الرياضية بالابتعاد عنه بشكل تدريجي.
نقل العائلة نشاطها من إسبانيا إلى دبي بعد هجوم فندق ريجنسي لم يكن كافيًا لتفادي الإجراءات القضائية، فمع توقيع اتفاق تسليم المطلوبين بين الإمارات وإيرلندا في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، سُلّم شون ماكغوفرن، ما أثار تكهنات عن إمكان تسليم باقي أفراد العائلة.
ويرى محللون أن موقع العائلة في عالم الجريمة تراجع بشكل واضح، مع صعود منظمات أخرى مثل "ندرانغيتا" الإيطالية و"كلان ديل غولفو" الكولومبية، اللتين أصبحتا تسيطران على حصة متزايدة من تجارة الكوكايين العالمية.
كريستي كيناهان، الذي بات يطلق على نفسه "كريستوفر فينسنت" ويحاول تقديم نفسه كمستشار طيران بريطاني، يُقال إنه يحاول بدء حياة جديدة في زيمبابوي. لكن مع تشديد التعاون الدولي، يبدو أن الخيارات أمامه أصبحت محدودة أكثر من أي وقت مضى.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNyA= جزيرة ام اند امز