تصعيد قضائي بين مالي وفرنسا.. «رسالة» تعمق القطيعة (خاص)
تصعيد جديد بين مالي وفرنسا يختزله هذه المرة حكم قضائي في دعوى لا يمكن فصلها عن مشهد بتوازنات خصمت من رصيد باريس بالبلد الأفريقي.
ومؤخرا، أصدرت محكمة في باماكو حكمًا يقضي بالسجن 20 عامًا بحق الضابط في الاستخبارات الخارجية الفرنسية، اللفتنانت كولونيل يان ف.، إلى جانب غرامة مالية وتعويض رمزي لصالح الدولة المالية، في قضية تعكس عمق التوتر بين البلدين منذ سنوات.
وجاء الحكم بعد نحو 11 شهرًا من توقيف الضابط الذي كان يعمل في مالي تحت صفة دبلوماسية رسمية، حيث اتهمته السلطات الانتقالية في باماكو بالمشاركة في "تحريك شخصيات سياسية وفاعلين من المجتمع المدني وعسكريين، بينهم جنرالات"، بهدف زعزعة استقرار مؤسسات الدولة، وفق ما نقلته مصادر إعلامية محلية.
ويرى خبراء سياسيون مختصون في الشأن الأفريقي أن الحكم الصادر في باماكو بحق ضابط استخبارات فرنسي يعكس مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والدبلوماسي بين مالي وفرنسا.
وفي قراءات منفصلة لـ"العين الإخبارية"، أوضحوا أن القضية لا يمكن فصلها عن إعادة تشكيل موازين النفوذ في غرب أفريقيا وتراجع الدور الفرنسي لصالح قوى دولية أخرى.
إعادة تعريف السيادة
يقول مامادو بوديان، الباحث المالي ورئيس مختبر الدراسات الاجتماعية في "المعهد الأساسي لأفريقيا السوداء"، بجامعة الشيخ أنتا ديوب، إن الحكم الصادر بالسجن 20 عامًا بحق ضابط الاستخبارات الفرنسي في مالي لا يمكن اعتباره ملفا قضائيا معزولا.
وشدد بوديان على أن الحكم يشكل «حلقة جديدة في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة المالية وفرنسا، بعد سنوات من التدهور السياسي والأمني منذ انقلاب 2020».
وأشار إلى أن السلطات في باماكو تتعامل مع هذا النوع من القضايا باعتباره جزءًا من "إعادة تعريف السيادة"، حيث تسعى الدولة إلى تثبيت خطاب داخلي يقوم على أن مالي لم تعد تقبل أي وجود أجنبي يُنظر إليه كامتداد لنفوذ استعماري سابق، حتى لو كان ذلك الوجود في إطار دبلوماسي أو استخباراتي محدود.
وبحسب الخبير، فإن "الحكم القاسي يعكس أيضًا رغبة السلطة الانتقالية في توجيه رسالة مزدوجة، الأولى إلى الداخل المالي، مفادها أن الدولة قادرة على محاسبة أي تهديد لأمنها القومي".
والثانية إلى الخارج، خصوصًا فرنسا، بأن مرحلة "النفوذ التقليدي" انتهت، وأن العلاقات المستقبلية ستكون قائمة على الندية الكاملة وليس التبعية، وفق الباحث.
ويرى الخبير السياسي المالي أن "هذا المسار سيؤدي إلى تعميق فجوة الثقة بين باريس وباماكو، لأن فرنسا تعتبر أن موظفيها الدبلوماسيين وأجهزة استخباراتها تعمل ضمن أطر قانونية محمية بالاتفاقيات الدولية".
بينما تعتبر مالي أن هذه الاتفاقيات لا يمكن أن تكون غطاءً لأي نشاط تعتبره تدخلاً في شؤونها الداخلية.
أدوات ضغط
يعتبر بوديان أن الرد الفرنسي في المرحلة المقبلة لن يكون عسكريًا أو تصعيديًا مباشرًا، بل سيعتمد على أدوات الضغط الدبلوماسي والقانوني.
وموضحا الجزئية الأخيرة، أن ما تقدم سيتجسد عبر تكثيف الاتصالات خلف الكواليس مع السلطات المالية، والضغط داخل الاتحاد الأوروبي لتبني موقف أكثر صرامة، والاستمرار في وصف القضية بأنها “احتجاز غير قانوني"، ومحاولة الوصول إلى حل تفاوضي مثل تبادل أو عفو رئاسي .
ولفت بوديان إلى أن أخطر ما في هذه القضية ليس الحكم نفسه، بل ما يعكسه من تحول بنيوي في علاقة مالي بفرنسا، حيث لم تعد الأزمة مجرد خلاف سياسي عابر، بل باتت جزءًا من إعادة رسم خريطة النفوذ في منطقة الساحل، وهو ما يجعل أي تسوية مستقبلية معقدة وتدريجية وليست سريعة.
وسبق أن رفضت الخارجية الفرنسية الاتهامات الموجهة للضابط منذ البداية، مؤكدة أن المعني يشغل منصبًا دبلوماسيًا في السفارة الفرنسية بباماكو، وأنه يتمتع بحصانة دبلوماسية وفق اتفاقية فيينا لعام 1961، معتبرة أن التهم الموجهة إليه “لا أساس لها من الصحة”.
رسالة سياسية
ذكرت إذاعة "إر.تي.إل" الفرنسية أن الضابط الفرنسي كان يعمل في مالي بهويته الرسمية، معتمدًا كدبلوماسي في السفارة الفرنسية، وهو ما يمنحه نظريًا حصانة دبلوماسية.
كما كان جزءًا من وجود محدود تابع لـ"مديرية الاستخبارات الخارجية الفرنسية" في باماكو، ضمن إطار تعاون تقني وأمني غير معلن بالكامل بين البلدين.
ورغم التوتر السياسي الحاد منذ انقلاب 2020 وتراجع النفوذ الفرنسي لصالح تقارب مالي مع روسيا، ظل هذا التعاون الاستخباراتي قائمًا بشكل محدود، قبل أن تتفاقم الخلافات وتنعكس على هذا الملف الحساس.
من جانبه، يعتبر مارك أنطوان بيروس مونتكلوز، الباحث السياسي الفرنسي في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي المتخصص في الساحل الأفريقي، أن إدانة الضابط الفرنسي تأتي في سياق علاقة متدهورة أصلًا بين باريس وباماكو.
ويقول مونتكلوز، في حديثه لـ"العين الإخبارية"، إن الحكم يشكل رسالة سياسية تؤكد من خلالها السلطات المالية تمسكها بسيادتها ورفضها لأي نشاط تعتبره تهديدًا داخليًا.
وأشار إلى أن هذه القضية تكشف في الوقت نفسه تعقيدات المشهد الداخلي في مالي، إذ إن تركيز المحاكمة على الطرف الفرنسي قد يجنب فتح ملفات أكثر حساسية تتعلق بصراعات داخل المؤسسة العسكرية المالية نفسها، في انتظار محاكمات عسكرية محتملة لمسؤولين محليين متورطين.
ولفت مونتكلوز إلى أنه رغم الحكم الصادر، لا يستبعد في المدى الطويل حدوث تسوية دبلوماسية، سواء عبر نقل الضابط إلى فرنسا لقضاء العقوبة أو منحه عفوًا رئاسيًا من السلطات المالية، وهي خيارات تبقى مرهونة بإرادة سياسية من باماكو وتفاهمات محتملة مع باريس.
في المقابل، تواصل فرنسا المطالبة بالإفراج عن ضابطها، واعتبار توقيفه “احتجازًا تعسفيًا”، مؤكدة تمسكها بموقفها الرافض للاتهامات، دون تحقيق أي تقدم ملموس حتى الآن.
ويحتجز الضابط الفرنسي داخل منشأة أمنية تابعة للدولة المالية في باماكو، حيث يُعامل بشكل جيد نسبيًا، رغم الإشارة إلى تدهور حالته الصحية وفقدانه جزءًا من وزنه خلال فترة الاحتجاز، وفق تقارير إعلامية.
كما تمكن من لقاء ممثل عن السفارة الفرنسية بعد أشهر من العزلة، فيما تواصلت اتصالات محدودة بين الجانبين الفرنسي والمالي بشأن قضيته، دون التوصل إلى حل نهائي.
وتتعامل باريس مع الملف باعتباره قضية حساسة للغاية تُتابع على أعلى المستويات، فيما تتمسك السلطات المالية بقرارها القضائي، ما يبقي مستقبل القضية مفتوحًا على عدة سيناريوهات دبلوماسية وقانونية.