اختراق مرتقب في ملف المفقودين بليبيا.. قانون جديد يلوح بالأفق
في خطوة جديدة على طريق العدالة الانتقالية، تقترب ليبيا من إقرار إطار قانوني شامل لمعالجة ملف المفقودين والمختفين قسرياً، بالتوازي مع حراك ميداني لتأهيل الكوادر القانونية وتعزيز آليات المساءلة.
يأتي ذلك في محاولة جادة لإنهاء عقود من الألم التي أثقلت كاهل آلاف الأسر الليبية.
وشهدت العاصمة التونسية مؤخراً اجتماعاً مفصلياً للجنة الخبراء المعنية بالإطار القانوني للأشخاص المفقودين، التابعة لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بمشاركة 27 ممثلاً عن مؤسسات سيادية، من بينها مجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة، ووزارات العدل والداخلية والخارجية، في مشهد يعكس اهتماما سياسياً وقانونياً للتعامل مع هذا الملف المعقد.
قانون جديد
وأسفر الاجتماع، الذي عُقد بدعم من بعثة الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عن صياغة نسخة شبه نهائية لمشروع قانون الأشخاص المفقودين، في خطوة تمهيدية لإحالته إلى الجهات التشريعية لاعتماده.
ويهدف القانون المرتقب إلى تعزيز استقلالية الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين، ومواءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، إلى جانب إنشاء سجل وطني موحد لحماية البيانات وتنسيق الجهود بين مؤسسات الطب الشرعي، فضلاً عن توسيع حقوق الضحايا وضمان عدم إفلات المسؤولين من العقاب.
وفي هذا السياق، أكد النائب ميلود الأسود أن القانون يمثل “ركيزة أساسية” لحماية حقوق الأسر وتحديد المسؤوليات، فيما يرى نوح الرحيل، أحد ذوي المفقودين، أن التشريع المرتقب من شأنه سد ثغرات قانونية وتداخلات مؤسسية ظلت تعرقل هذا الملف لسنوات.
إعداد حقوقيين
وبالتوازي مع المسار التشريعي، اختتم 32 محامياً ومحامية من القطاعين العام والخاص برنامجاً تدريبياً مكثفاً ركّز على الجوانب التطبيقية لدعم أسر المختفين.
ولم يقتصر التدريب على الجوانب النظرية، بل تضمن محاكاة لسيناريوهات واقعية تشمل مرافقة الأسر في الإجراءات الإدارية المعقدة، وتوثيق الحالات، وبناء الملفات القانونية، وصولاً إلى ملاحقة المسؤولين قضائياً.
ويأتي هذا البرنامج ضمن مشروع تجريبي يستهدف مدينتي تاورغاء وترهونة، ويهدف إلى إنشاء آليات إحالة متكاملة تضمن وصول الأسر إلى خدمات قانونية متخصصة، إلى جانب الدعم النفسي عبر منظمات مجتمع مدني موثوقة، في مقاربة تجمع بين العدالة والرعاية الإنسانية.
التشريع والتفعيل
ويرى الحقوقي الليبي ورئيس منظمة التعاون والإغاثة العالمية، جمال المبروك، أن الإشكالية في ليبيا لا تكمن في غياب النصوص القانونية بقدر ما ترتبط بضعف تفعيلها.
وأوضح المبروك أن التشريعات القائمة، بما فيها قانون العدالة والمصالحة الوطنية، يمكن أن تشكل أرضية قانونية لمحاسبة المتورطين في جرائم الإخفاء القسري، إلى حين إقرار القانون الجديد، مشيراً إلى إمكانية سد أي ثغرات عبر تعديلات محدودة دون الحاجة إلى منظومة تشريعية مكلفة.
كما شدد على أن ليبيا لم تعد تحتمل المزيد من الاستنزاف الاقتصادي الناجم عن حالة الانفلات، والتي يقف خلفها، بحسب وصفه، "خارجون عن القانون" تورطوا أيضاً في عمليات تغييب قسري لخدمة مصالحهم.
تحديات مستمرة
ورغم مؤشرات التقدم، لا يزال الواقع الميداني يفرض تحديات معقدة، تعكس هشاشة البيئة القانونية والأمنية.
فوفقاً للتقرير الإحصائي للربع الأول من عام 2026 الصادر عن المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا، تم تسجيل 343 شكوى وبلاغاً بشأن انتهاكات متعددة، ما يعكس استمرار الضغوط على منظومة العدالة.
وأشار التقرير إلى تواصل تقويض سيادة القانون، وتصاعد الانتهاكات بحق النازحين، إلى جانب عدم تنفيذ أحكام قضائية صادرة بحق سجناء، وهو ما وصفته المؤسسة بأنه يفاقم المعاناة الإنسانية.
وفي محاولة لكسر دائرة الإفلات من العقاب، أحالت المؤسسة 204 حالات إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية، في مؤشر على سعي متواصل لإعادة الاعتبار لمبدأ المحاسبة، رغم تعقيدات المشهد الليبي.