ليبيا على مفترق التسوية.. حراك دولي مكثف لإعادة ضبط المسار
بين استثمار زخم التهدئة والانخراط في مسار تسوية شاملة، خوفا من الانزلاق مجدداً إلى دوامة الانقسام والصراع، تتسارع وتيرة التحركات الدولية بشأن الملف الليبي.
وخلال الساعات الأخيرة، شهدت الساحة الليبية حراكاً سياسياً ودبلوماسياً لافتاً، عبر سلسلة لقاءات رفيعة المستوى، تمحورت حول دعم الاستقرار، وتوحيد المؤسسات، وتعزيز المسارين الاقتصادي والسياسي، في محاولة لإعادة بناء الثقة بين الأطراف المحلية، تحت مظلة دعم دولي متجدد.
حراك أممي.. إعادة ضبط المسار
في هذا السياق، التقت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، بوزير الدولة لشؤون الشرق الأوسط في المملكة المتحدة، هاميش فالكونر، على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي، حيث استعرضت معه تطورات المشهد الليبي بمختلف أبعاده.
وأكدت تيتيه أهمية الدفع نحو عملية سياسية تُفضي إلى منظومة حكم قائمة على الشرعية الديمقراطية، مع ضرورة مواصلة التحضير لإجراء الانتخابات الوطنية، مشددة على أن نجاح أي تسوية يظل مرهوناً باستمرار الدعم الدولي وتنسيق الجهود بين القوى المؤثرة.

من جانبه، جدد الوزير البريطاني دعم بلاده لجهود بعثة الأمم المتحدة، في إشارة إلى استمرار الرهان الغربي على المسار الأممي كإطار جامع لإدارة الأزمة، رغم تعثراته السابقة.
توحيد المؤسسات
وفي تحرك موازٍ، عقدت نائبة المبعوث الأممي إلى ليبيا، ستيفاني خوري، لقاءً مع نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية، صدام حفتر، بحضور مستشار الأمن القومي عبد الرازق الناظوري، في خطوة تعكس انخراط البعثة الأممية بشكل مباشر مع مراكز القوة شرق البلاد.
وأكدت خوري دعم البعثة لاتفاق الإنفاق الموحد، معتبرة إياه خطوة مهمة نحو تعزيز الشفافية والمسؤولية المالية، كما رحبت بالخطوات المشتركة بين شرق وغرب البلاد لتوحيد المؤسسة العسكرية.

غير أن هذا المسار، رغم أهميته، لا يزال يواجه تحديات معقدة، أبرزها غياب الثقة المتبادلة، وتداخل المصالح العسكرية والسياسية، ما يطرح تساؤلات حول قدرة هذه التفاهمات على الصمود دون مظلة سياسية واضحة.
دعم أمريكي
على صعيد متصل، التقى الدبيبة، حيث ناقش الجانبان سبل دعم الاستقرار في ليبيا.
وخلال اللقاء، جدد بولس تهنئته بالتوصل إلى اتفاق الإنفاق المالي الموحد، واصفاً إياه بأنه خطوة غير مسبوقة منذ أكثر من 13 عاماً، تعكس توجهاً نحو تحسين إدارة المالية العامة ومعالجة الاختلالات المزمنة.

بدوره، أكد الدبيبة أن الاتفاق يمثل تحولاً مهماً في ضبط الإنفاق العام، من خلال الحد من الإنفاق الموازي، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، مشيداً بالدعم الفني الأمريكي وجهود الوساطة التي ساهمت في إنجازه.
كما تطرق اللقاء إلى التعاون العسكري، حيث أشاد الطرفان بانطلاق تمرين "فلينتلوك 2026" في مدينة سرت، باعتباره مؤشراً على توجه دولي لتعزيز جاهزية القوات النظامية، وبناء قدر من التنسيق الميداني بين التشكيلات المختلفة.
مشهد متحرك.. بلا ضمانات
وتعكس هذه التحركات المتزامنة محاولة دولية لإعادة هندسة المشهد الليبي، عبر مقاربة متعددة المسارات تجمع بين الاقتصاد والأمن والسياسة، في وقت تتزايد فيه القناعة بأن أي اختراق حقيقي يبدأ من توحيد المؤسسات المالية والعسكرية.
غير أن هذا الحراك، رغم زخمه، لا يخلو من تعقيدات، إذ تظل ليبيا ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، ما يجعل مسار التسوية عرضة للتجاذبات، خاصة في ظل غياب توافق داخلي حاسم.
جذور الأزمة
وتعود جذور الأزمة الليبية إلى فشل إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ديسمبر/كانون الأول 2021، رغم التفاهمات الدولية التي أُقرت خلال مؤتمر برلين، وهو ما أدى إلى إطالة أمد المرحلة الانتقالية، وتعميق الانقسام السياسي والمؤسسي.
واليوم، لا تزال البلاد تعيش حالة ازدواجية حكومية بين شرق وغرب، وسط تباين في مراكز النفوذ وتضارب في الأجندات، ما يجعل أي تسوية رهينة بتوازنات معقدة تتجاوز حدود الداخل الليبي.