ستغير مستقبل البناء.. عالم يكشف لـ«العين الإخبارية» سر اكتشاف «خرسانة خارقة»
في وقت يشهد العالم توسعًا عمرانيًا متسارعًا، أصبحت مواد البناء، وعلى رأسها الأسمنت، من أكبر مصادر الانبعاثات الكربونية، حيث يسهم بنحو 8% من إجمالي الانبعاثات العالمية، ما يجعل تطوير بدائل أكثر استدامة ضرورة ملحة لمواجهة تحديات تغير المناخ.
ونجح باحثون من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA)، بمشاركة العالم الدكتور ماهر القاضي، في تطوير تقنية جديدة تعتمد على إضافة كميات ضئيلة من أكسيد الجرافين إلى الخرسانة، بما يعزز من قوتها ويقلل في الوقت نفسه من كمية الأسمنت اللازمة لإنتاجها، وهو ما قد يساهم في الحد من الأثر البيئي لقطاع البناء.
وفي حوار خاص مع "العين الإخبارية"، يوضح الدكتور ماهر القاضي آلية عمل هذا الابتكار، وكيف يمكن لكميات مجهرية من أكسيد الجرافين أن تحسن خصائص الخرسانة، وتفتح الباب أمام استخدام مواد بناء أكثر كفاءة واستدامة في المستقبل.

بداية.. ما الذي دفعكم إلى تطوير هذا الابتكار؟
الدافع الأساسي كان مواجهة الاستخدام المفرط للخرسانة والحد من آثارها البيئية السلبية. العالم ينتج سنوياً نحو 4 مليارات طن من الأسمنت، وهذا رقم ضخم للغاية من حيث الانبعاثات الكربونية. كنا نبحث عن طريقة تجعل الخرسانة أقوى وأكثر كفاءة، مع تقليل الحاجة إلى مواد إضافية بكميات كبيرة.
ما الفكرة الأساسية وراء هذه التقنية الجديدة؟
الفكرة تعتمد على استخدام "أكسيد الجرافين" كمادة نانوية لتقوية الخرسانة. المميز هنا أننا نستخدم كمية ضئيلة جداً لا تتجاوز 0.01% من كتلة الأسمنت، وهي نسبة أقل بكثير من المواد التقليدية المستخدمة للتدعيم، لكنها تحقق نتائج أفضل.

كيف يختلف هذا الابتكار عن استخدام غبار السيليكا في الخرسانة؟
غبار السيليكا يُعد من المواد المعروفة لتقوية الخرسانة، وقد استُخدم مثلاً في بناء برج خليفة لمنح الخرسانة قوة عالية. لكن المشكلة أنه يتطلب إضافة تصل إلى 10% من إجمالي المزيج. في المقابل، نحن نتحدث عن 0.01% فقط من أكسيد الجرافين، وهذا يعني تكلفة أقل وكفاءة أعلى بكثير.
ما سر نجاح أكسيد الجرافين في هذه الحالة؟
السر ليس في الكمية، بل في التوزيع المتساوي داخل الخليط. إذا لم يتوزع جيداً، فلن نحصل على الفائدة المطلوبة. لذلك ركزنا على تطوير آلية تضمن هذا التجانس بدقة.
وكيف تحققون هذا التوزيع المتجانس؟
نعتمد على خطوتين أساسيتين. الأولى استخدام الموجات فوق الصوتية لتفتيت تكتلات أكسيد الجرافين بعد إذابته في الماء، وهي تقنية تشبه ما يحدث في أجهزة تنظيف المجوهرات، أما الخطوة الثانية، فهي إضافة بوليمرات ذكية مثل "بوليكربوكسيلات الإيثر" (PCE)، التي تساعد على تحسين سيولة الخليط والحفاظ على استقرار الجزيئات النانوية.
وماذا أظهرت الاختبارات المعملية؟
النتائج كانت لافتة. وجدنا أن الخرسانة المدعمة بهذه التقنية زادت مقاومتها للانضغاط بنسبة تصل إلى 25% بعد 28 يوماً من الصب، كما انخفضت مساميتها بنسبة تصل إلى 50%. وهذا يعني خرسانة أكثر كثافة ومقاومة للماء والتآكل.
كيف ينعكس ذلك على المباني والبنية التحتية؟
ببساطة، هذا يعني عمر افتراضي أطول للمباني والجسور، وتقليل فرص التشققات الدقيقة، وبالتالي خفض تكاليف الصيانة على المدى الطويل. أكسيد الجرافين يعمل كأنه "جسور نانوية" تمنع انتشار الشقوق داخل الخرسانة.
يبدو أن هذا الإنجاز جاء بعد رحلة طويلة من البحث؟
بالفعل. مجموعتنا البحثية، بالتعاون مع البروفيسور ريتشارد كانير، أمضت قرابة 20 عاماً في تطوير طرق تصنيع ومعالجة أكسيد الجرافين، وأكثر من 10 سنوات مع شركاء الصناعة لتوسيع الإنتاج بجودة ثابتة. من الرائع أن نرى هذا الجهد الطويل يثمر في تطبيق له قيمة بيئية ومجتمعية واضحة.
كيف ترون مستقبل هذه التقنية؟
أعتقد أنها تمثل خطوة مهمة نحو جعل قطاع البناء أكثر استدامة. إذا تم تبنيها على نطاق واسع، يمكن أن تقلل من البصمة الكربونية للخرسانة عالمياً، وتساعدنا في بناء مدن أقوى وأكثر صداقة للبيئة.