خبير بيئي: غابات المانغروف من حلول الطبيعة الأكثر فاعلية لحماية المناخ
تستقبل كينيا «مؤتمر محيطنا 2026» الشهر المقبل، فماذا يعني هذا المؤتمر بالنسبة لقضية أشجار المانغروف؟
ظهرت أشجار المانغروف على الأرض خلال العصر الطباشيري المتأخر بين 100 و65 مليون عام مضى. وتُعد غابات المانغروف من أهم النُظم البيئية الساحلية عالميًا، وتجلّت أهميتها مع تفاقم أزمة المناخ؛ إذ تعمل غابات المانغروف كحاجز ضد العواصف، كما تتمتع بقدرة استثنائية على امتصاص الأملاح وفي تخزين ثاني أكسيد الكربون في كتلتها الحيوية أو في التربة، ما جعل استعادتها وترميم نُظمها البيئية والحفاظ عليها ضرورة ملحة.
وفي هذا الصدد، أجرت "العين الإخبارية" حوارًا مع مشرف ترميم المحيطات لعام 2023 في إطار مبادرة المنتدى العالمي للمناظر الطبيعية (GLF)، والباحث المتخصص في حماية غابات المانغروف وترميمها، ليفيس سيريكوا (Levis Sirikwa)، الذي من المقرر أن يُشارك في مؤتمر "محيطنا 2026" (Our Ocean Conference 2026)، في كينيا خلال يونيو/حزيران القادم، وهناك من المنتظر طرح نقاشات حول غابات المانغروف ودورها في تعزيز حماية السواحل ومواجهة أزمة المناخ.
إليكم نص الحوار..
1- بناء على خبرتكم في استعادة غابات المانغروف، ما دور تلك النظم البيئية في التحفيف من آثار تغير المناخ؟
حسنًا، إنّ النظم البيئية لأشجار المانغروف تُعد من بين أكثر الحلول الطبيعية فاعلية لمواجهة تغير المناخ. وتُظهر عقود من البحث أن أشجار المانغروف قادرة على امتصاص ما بين ثلاثة إلى أربعة أضعاف كمية الكربون لكل هكتار مقارنةً بالعديد من الغابات الأرضية؛ إذ تُخزّنه في صورة متعددة، منها في الكتلة الحيوية فوق وتحت سطح الأرض وفي أعماق التربة المُشبعة بالمياه، حيث يُمكن أن يبقى مُخزّنًا لعقود أو حتى قرون. وهذا يعزز أهميتها الاستثنائية في التخفيف من آثار تغير المناخ، حيث تُزيل ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما يُقلل من تركيز غازات الاحتباس الحراري المُسببة الرئيسية لظاهرة الاحتباس الحراري.
ومن واقع خبرتي في ترميم غابات المانغروف؛ فأرى أنّ ترميم النظم البيئية المتدهورة لهذه الغابات من شأنه أن يُعزز دورها كمستودع للكربون بصورة كبيرة، وفي نفس الوقت يُعيد بناء خدمات بيئية حيوية، مثل حماية الشواطئ وموائل الأسماك. ويعود النفع أيضًا على المجتمعات الساحلية المحلية التي تُعزز قدرتها على التكيف مع تغير المناخ. لقد بات من الواضح أنّ ترميم المانغروف لا يقتصر على زراعة الأشجار فحسب، بل أيضًا باستعادة نظام كربوني حيوي يدعم قدرة الكوكب والمجتمعات المحلية على التكيف.
2- برأيكم، هل يمكن أن تحصل غابات المانغروف على الاهتمام الكافي كحل لمواجهة أزمة المناخ خلال نقاشات مؤتمر "محيطنا 2026"؟
بالتأكيد نعم، لكن في حال إذا طُرحت النقاشات حول غابات المانغروف باعتبارها نظم بيئية متكاملة، وليست مجرد أشجار تُزرع. ففي أحيان كثيرة، يُختزل مفهوم ترميم المانغروف في حملات زراعة الأشجار، والحقيقة أنّ الزراعة وحدها لا تُعادل الترميم. وتُعد أشجار المانغروف أنظمة اجتماعية-بيئية معقدة تتشكل بفعل العوامل، مثل التنوع البيولوجي وتدفقات الرواسب والاستخدام البشري والهيدرولوجيا، ويتطلب ترميمها الناجح نهجًا بيئيًا شاملًا؛ ليُعالج هذه الوظائف المترابطة.
تستحق أشجار المانغروف أن تحظى باهتمام أكبر في مؤتمر "محيطنا 2026"، ليس فقط بسبب قيمتها الكربونية، بل لأنها أيضًا تقع عند تقاطع التخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه والتنوع البيولوجي وسبل العيش. يجب أن يتجاوز النقاش مسألة الهكتارات المزروعة، وأن يركز بدلًا من ذلك على السلامة البيئية، والإدارة المجتمعية، والاستدامة طويلة الأجل. هذا يعني أيضًا أنّ هناك حاجة ماسة إلى إدراك آليات التمويل المستدامة، بما في ذلك الكربون الأزرق ومشاريع الترميم المجتمعية والتمويل المختلط؛ لضمان ألا يُنظر إلى ترميم أشجار المانغروف على أنه تدّخل لمرة واحدة، بل كاستثمار مناخي طويل الأجل.

3- وما دلالة استضافة كينيا لمؤتمر "محيطنا 2026"، باعتبارها دولة أفريقية؟
تكتسب استضافة كينيا لمؤتمر "محيطنا 2026" أهمية بالغة؛ إذ أنها تضع أفريقيا في صميم الحوار العالمي حول المحيطات والمناخ لأول مرة. وباعتبار أنّ هذه المرة الأولى التي تستضيف فيها الأراضي الأفريقية مؤتمر "محيطنا"؛ فذلك المؤتمر من شأنه أن يُتيح فرصةً بالغة الأهمية لتعزيز الأولويات والآراء والقيادة الأفريقية في صياغة أجندة المحيطات العالمية. أما بالنسبة لكينيا؛ تُعدّ هذه لحظةً دبلوماسيةً واستراتيجيةً في آنٍ واحد: فهي تُعزز مكانة البلاد كدولة رائدة في إدارة المحيطات والعمل المناخي والاقتصاد الأزرق، وفي الوقت نفسه توفر مساحةً لعرض الحلول العملية الناشئة من المنطقة.
وعلى النطاق الأوسع؛ فهذا المؤتمر يُسلط الضوء على النظم البيئية الساحلية والبحرية في أفريقيا والتي تعاني من نقص مزمن في تمويل المناخ والحفاظ على البيئة، وتلك لحظة طال انتظارها، ولها أهمية عالمية. إضافة إلى ذلك؛ فإنّ المؤتمر يُتيح فرصة لإعادة تعريف أفريقيا كمصدر للابتكار والإدارة الرشيدة وحلول الاقتصاد الأزرق القابلة للاستثمار، والإشارة إليها أيضًا كمنطقة مُعرّضة لتأثيرات المناخ. ولحسن الحظ، تتمتع كينيا بموقعٍ متميزٍ لقيادة هذا الحوار، نظرًا لموقعها على غرب المحيط الهندي ودورها في تعزيز التعاون الإقليمي في مجال الاقتصاد الأزرق.
4- هل يمكن أن تكون أشجار المانغروف جسرًا يربط بين العمل المناخي العالمي واحتياجات المجتمعات الساحلية المحلية؟ وكيف يمكن إبراز هذا الأمر خلال مؤتمر "محيطنا 2026"؟
نعم، إنّ أشجار المانغروف من أوضح الأمثلة على كيفية توافق العمل المناخي العالمي مع أولويات التنمية المحلية؛ فهي تُشكل مصارف كربونية بالغة الأهمية على مستوى العالم، كما تُمثّل بنية تحتية طبيعية للمجتمعات الساحلية؛ فهي تُدعم مصائد الأسماك وتحمي الشواطئ وتُنظم أنظمة المياه وتُحافظ على سُبل العيش المحلية. وهذا يجعل أشجار المانغروف جسرًا قويًا يربط بين التخفيف من آثار تغيّر المناخ على المستوى العالمي وتعزيز قدرة واحتياجات المجتمعات الساحلية المحلية على الصمود.
ويمكن إبراز هذا الأمر بصورة أقوى في أثناء مؤتمر "محيطنا 2026"، من خلال النظر إلى أشجار المانغروف ليس فقط كموارد للحفاظ عليها، بل كرأس مال طبيعي يُساهم بشكل مباشر في الأنظمة الاقتصادية وسبل العيش والتنمية الوطنية. وهذا يعني تجاوز الخطابات البيئية وحدها، وتقديم دراسات جدوى أقوى للمشاريع التي تُعزّز مناخ المانغروف، ونماذج ترميم قابلة للاستثمار، ومشاريع مجتمعية قابلة للتمويل.
أرى أنه إذا تم تصنيف أشجار المانغروف كأصول إنتاجية ضمن الاقتصاد الأزرق بعوائد واضحة في خفض الكربون وتحسين سُبل العيش وتعزيز التنوع البيولوجي وزيادة القدرة على الصمود؛ فهذا سيُعزز جذبها للمزيد من رؤوس الأموال الجادة والاهتمام السياسي والدعم الفني. وهذا الأمر بالغ الأهمية في كينيا، حيث تستمر عمليات مثل التخطيط المكاني البحري في تشكيل كيفية تقييم النظم البيئية الساحلية ودمجها في مسارات التنمية الوطنية.
5- وما الرسالة توّدون إيصالها من خلال مشاركتم في مؤتمر "محيطنا 2026" حول دور أشجار المانغروف في التخفيف من آثار تغير المناخ؟
إنّ رسالتي الأساسية بسيطة: أشجار المانغروف ليست مجرد أشجار، بل هي أنظمة حية متكاملة تدعم استقرار المناخ والتنوع البيولوجي ورفاهية الإنسان. لا تكمن قيمتها فقط في الكربون الذي تخزنه، بل في النظم البيئية والاقتصادية التي تدعمها. ولأشجار المانغروف مزايا متعددة؛ إذ تحمي السواحل وتُدعم مصائد الأسماك وتعزز سبل العيش المحلية، كما توفر أحد أكثر الحلول المناخية الطبيعية فعالية المتاحة اليوم.
من خلال مشاركتي في المؤتمر، أودّ التأكيد على ضرورة فهم أشجار المانغروف والاستثمار فيها كرأس مال طبيعي: أنظمة بيئية ذات قيمة مناخية قابلة للقياس، وإمكانات اقتصادية حقيقية، وعوائد اجتماعية طويلة الأجل.
هذا يعني تحويل النقاش من أهداف الترميم قصيرة الأجل إلى إدارة النظم البيئية على المدى الطويل. إضافة إلى إدراك أنّ المشاريع الداعمة لأشجار المانغروف ونماذج الترميم التي تقودها المجتمعات المحلية ليست ضرورية بيئيًا فحسب، بل قابلة للاستثمار والتوسع والتمويل. إذا كنا جادين في العمل المناخي، فيجب التعامل مع أشجار المانغروف كبنية تحتية أساسية لمستقبل قادر على الصمود في وجه تغير المناخ، لا كمشاريع حماية هامشية.