46 كيلومترا تحت مكة.. ماذا تخفي القشرة الأرضية أسفل أقدس بقاع الأرض؟
أسفل أقدس بقاع الأرض، حيث تتجه أنظار الملايين، يقبع عالم خفي من التكوينات الجيولوجية والثروات التي ظلت طي الكتمان لملايين السنين.
واليوم، يُميط فريق بحثي دولي يضم باحثون من مصر والسعودية والصين وفيتنام، اللثام عن هذا العالم السحيق عبر دراسة علمية رائدة نُشرت مؤخرًا عبر دورية "جورنال أوف إيـشَن إيرث ساينسِز"، كاشفةً عن خبايا البنية القشرية والهيكلية لحقول الذهب في أقاليم عسير وجدة بمنطقة مكة المكرمة، ضمن ما يُعرف جيولوجياً بـ "الدرع العربي".

ولم يكن سبر أغوار هذا العمق، الذي يصل إلى 46 كيلومترا تحت سطح الأرض، بالمهمة اليسيرة، بل تطلب دمجاً مبتكراً لأحدث التقنيات الفضائية والجيوفيزيائية.
واعتمدت الدراسة على منهجية شاملة زاوجت بين صور الأقمار الصناعية عالية الدقة (لاندسات – 8) و والبيانات المغناطيسية وقياسات الجاذبية الأرضية.
ومن خلال تطبيق تقنيات رياضية متقدمة، مثل "مرشح اتساع التدرج الأفقي المُحسّن" (EHGA)، تمكن العلماء من تحويل البيانات الرقمية الصماء إلى صورة نابضة بالحياة، راسمةً خريطة دقيقة للهياكل التكتونية العميقة التي شكلت النشاط الجيوديناميكي للمنطقة.
وبالغوص أعمق في تفاصيل هذه الخريطة الفضائية والجيوفيزيائية، كشفت القياسات عن مفاجآت مذهلة، إذ يتباين سُمك القشرة الأرضية في منطقة مكة المكرمة (وصولاً إلى حد "انقطاع موهو" الفاصل بين القشرة والوشاح) بشكل ملحوظ، ليتراوح بين 25 و46 كيلومترًا.
ويتحكم في هندسة هذه البنية القشرية نظام بالغ التعقيد من الفوالق ومناطق القص، يبرز منها نطاقي فوالق "الدمام" و"فاطمة"، وهذه النطاقات ليست مجرد تصدعات عابرة، بل هي أنظمة حركية انزلاقية تكتونية تتميز بطيات مرنة وتراكيب متراكبة معقدة تعكس في مجملها حجم قوى الضغط والتمدد الهائلة التي نحتت شبه الجزيرة العربية عبر العصور السحيقة.
ولا تقتصر أهمية هذه الهياكل العميقة على فهم الماضي الجيولوجي فحسب، بل تمتد لتلامس عصب الثروات الطبيعية الكامنة التي تهم مستقبل الاقتصاد والتعدين، فقد أثبتت الدراسة أن هذه التصدعات، خاصة تلك الممتدة في الاتجاهات الهيكلية المتنوعة (مثل الشرقي-الغربي، والشمالي-الجنوبي)، لعبت دوراً حاسماً في توجيه وهندسة مسارات تمعدن الذهب. وقد مكّن هذا التحليل الدقيق من تسليط الضوء على الأطر الهيكلية الحاضنة لأبرز حقول الذهب في المنطقة، مثل حقول "السوق"، "الرجوم"، "الدويحي"، و"شعب الطار"، مما يفتح آفاقاً استراتيجية واسعة أمام عمليات الاستكشاف التعديني الموجهة والمستدامة.

وفي النهاية، يؤكد الباحثون على أن هذه الدراسة، ليست مجرد إنجاز أكاديمي يضاف إلى سجلات علوم الأرض، بل تُعد بوصلة استراتيجية تعيد صياغة فهمنا للتطور التكتوني وعمليات تشكيل القشرة في الدرع العربي.
وأكدوا أنها بمثابة قصة تُروى من مسافة 46 كيلومترا تحت أقدامنا، حيث تتشابك قوى الطبيعة الجبارة مع بريق الذهب، لتقدم لنا دليلاً علمياً جديداً على أن الأرض، حتى في أقدس وأطهر بقاعها، لا تزال تحتفظ في جوفها بأسرار جيولوجية واقتصادية تنتظر من يقرأ شفرتها.