فرنسا تتسلح بـ«الميمات»
تخوض الدبلوماسية الفرنسية معركة غير تقليدية، محولة الميمات والفكاهة إلى أداة دبلوماسية للمواجهة.
مقاربة جديدة بدأت عندما خاض حساب حكومي فرنسي جدالا علنيا مع البيت الأبيض حول غرينلاند على منصة "إكس"مكتفيا برد مقتضب استخدم فيه علم الاتحاد الأوروبي كإيموجي.
تقول صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية، إن هذا لم يكن تصرفا فرديا، بل جزءا من استراتيجية واعية لمواجهة المعلومات المضللة القادمة من الحسابات المرتبطة بحركة "MAGA" الأمريكية، أو جهات أخرى.
أسلوب يعكس -بحسب الصحيفة- تحولا في الدبلوماسية الفرنسية، التي بدأت تتخلى عن الأسلوب الرسمي الجامد، متبنية ردودا فورية، وسخرية، وميمات تستهدف خصومها دون إشعال صراعات فعلية على أرض الواقع.
في أغسطس/آب الماضي، انطلق حساب "French Response" (الرد الفرنسي)، وذلك قبيل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويقترب الآن من 150 ألف متابع، متناولا في الأيام الأخيرة شخصيات مثل إيلون ماسك بشأن تطبيق قواعد الاتحاد الأوروبي الرقمية، وترامب بسبب تصريحاته بشأن مقتل جنود الناتو في أفغانستان، وأمين عام الناتو مارك روتي الذي ذكّره بأن مهمته هي تمثيل جميع أعضاء الحلف (وليس واشنطن فقط).
وقد حظي هذا الموقف الجديد بتأييد أعلى مستويات الحكومة، حيث وزير الخارجية جان نويل بارو، إلى مبادرة "الرد الفرنسي" في خطابه السنوي أمام السفراء في وقت سابق من هذا الشهر.
وقال: "إن الموقف الصحيح الوحيد، في حرب المعلومات التي بدأت، هو رفع صوتنا وتكثيف جهودنا"، مضيفا أنه يأمل أن يستلهم الدبلوماسيون المجتمعون من "المنهج والموقف".
إجراء دفاعي بهدفين
وتقود المشروع ماري دوحة بيسانسنو، كبيرة مستشاري الاتصالات الاستراتيجية في وزارة الخارجية، إلى جانب فريق يضم نحو ستة أشخاص يتولون صياغة المنشورات وإدارة الحساب بشكل يومي.
وكانت بيسانسنو تشغل منصب الأمين العام المساعد لحلف الناتو لشؤون الدبلوماسية العامة قبل إعادة هيكلة هذا القسم العام الماضي.
ويؤكد الدبلوماسيون المشاركون في هذا الجهد أنه إجراء دفاعي، ومبرر بالنظر إلى الهجمات القادمة من الجانب الآخر من المحيط الأطلسي.
ووفق ما طالعته "العين الإخبارية" في "بوليتيكو"، للحساب هدفان: دحض المعلومات المضللة المعادية في الوقت الفعلي، وإيصال رسالة مفادها أن باريس مستعدة للرد. ويهدف أسلوب الفكاهة إلى تقويض الخصوم دون إثارة مواجهات حقيقية بين القادة.
وبحسب دبلوماسيين فرنسيين، تم إطلاق الحساب كرد فعل مباشر على المخاوف المتزايدة في باريس بشأن الخطابات العدائية القادمة من الولايات المتحدة.
وأثار نشر استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الشهر الماضي، والتي أعلن فيها البيت الأبيض عن نيته دعم القوميين الأوروبيين، مخاوف متزايدة في أوساط السلك الدبلوماسي الفرنسي.
وقال مارك أنطوان بريلان، رئيس وكالة فيجينوم الفرنسية لمكافحة التضليل الإلكتروني، خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ في نوفمبر/تشرين الثاني: "حتى عام 2023، عندما كنا نتحدث عن التهديدات المعلوماتية، كنا نشير بشكل أساسي إلى البرامج الآلية والمتصيدين والحسابات المزيفة".
وأضاف: "الوضع الآن قد تدهور بشكل كبير"، مع وجود "نشاط أجنبي خبيث في نقاشنا العام الرقمي".
وتابع، وفقا لنص جلسة مجلس الشيوخ: "يأتي هذا النشاط من جهات حكومية، سواء كانت روسية أو صينية أو إيرانية، ومن كيانات أجنبية غير حكومية، مثل حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" (MAGA)".
ما وراء الميمات
يرى النقاد أن مبادرة "الرد الفرنسي" تخاطر بالمبالغة في تقدير تأثيرها وإغفال هدفها الحقيقي. وأشار مسؤول حكومي فرنسي إلى أن منصات مثل ميتا وتيك توك أكثر استخداما بكثير من "إكس"، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت باريس تخوض حرب المعلومات على أرض الواقع.
وتنطوي وتيرة عمل الفريق السريعة على خطر التهاون في بعض الجوانب. ففي منشور حديث، سخر الحساب من سلسلة تغريدات للجنة القضائية في مجلس النواب الأمريكي، والتي وصفت قرار المفوضية الأوروبية بتغريم "إكس" بأنه "سري"، متجاهلة حقيقة أن تفاصيل القرار سرية حاليا.
بينما يؤكد مؤيدو هذه المبادرة أنها تعكس تحولا شاملا في الموقف الدبلوماسي الفرنسي تجاه حرب المعلومات. وتشمل هذه الاستراتيجية تدريبا متخصصا للدبلوماسيين على عمليات التأثير عبر الإنترنت، ودعما قانونيا مكثفا للدبلوماسيين في الخارج، وسعيا من باريس لتطبيق أكثر صرامة لقواعد الاتحاد الأوروبي الرقمية لمكافحة التزييف العميق الضار أو التلاعب المشتبه به بالخوارزميات.
ويشير المؤرخ ديفيد كولون، الأستاذ في معهد العلوم السياسية وخبير التلاعب الإلكتروني، إلى أن الاستراتيجية الجديدة " لا تقتصر على (الرد الفرنسي)| فحسب، بل هي في المقام الأول استراتيجية مؤسسية، حيث تم حشد السلك الدبلوماسي للمراقبة على مدار الساعة".
وقد بدأ هذا التحول يظهر جليا خارج باريس. ففي جنوب أفريقيا، نجح حساب السفارة الفرنسية في صد انتقادات نظيرتها الروسية بشأن ممتلكات البلاد ما بعد الاستعمارية، كما فنّد الروايات الموالية للكرملين التي نشرتها حسابات مجهولة.
وقد تبنى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذا التوجه الأوسع. ففي أواخر نوفمبر/تشرين الثاني، عقد الرئيس الفرنسي اجتماعا لمجلس دفاعه، ضم كبار مسؤولي الدفاع والخارجية لمناقشة مكافحة التدخل الأجنبي والتلاعب بالمعلومات.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQg
جزيرة ام اند امز