الابن على رأس السلطة.. «خامنئي ثانٍ» أم بداية عصر إيراني مختلف؟
صعود مجتبى خامنئي خلفا لوالده يشير إلى استمرارية الحكم المتشدد في إيران، مع إبقاء الكثير من الغموض حول توجهاته الشخصية والسياسية.
هذا ما خلصت إليه صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، في تقرير لها طالعته "العين الإخبارية".
والإثنين، أعلنت إيران تعيين مجتبى خامنئي، نجل المرشد الأعلى الراحل، خليفة لوالده، في إشارة إلى استمرار الحكم المتشدد في ظل الغارات الجوية الإسرائيلية والأمريكية التي تشنها على البلاد.
وكان مجتبى خامنئي شخصية مؤثرة في كواليس السلطة، حيث كان ينسق العمليات العسكرية والاستخباراتية في مكتب والده. ومن المعروف أن له صلات وثيقة بالحرس الثوري، وكان يُعتبر مرشحهم المفضل.
لكن شخصيته أو توجهاته السياسية خارج الدائرة المقربة لوالده غير معروفة. ونادرا ما يتحدث أو يظهر في العلن. والآن سيتولى زمام الأمور ليس فقط كسلطة دينية وسياسية جديدة في إيران، بل أيضا كقائد أعلى للقوات المسلحة.
استمرارية السلطة وسط الأزمة
يقول ولي ر. نصر، الخبير في الشؤون الإيرانية بجامعة جونز هوبكنز، إن "اختيار مجتبى هو اختيار استمرارية لنهج والده، كما أنه أكثر استعدادا من المرشحين الآخرين لترسيخ السلطة بسرعة وفرض سيطرته على النظام".
وأضاف أن نجل المرشد الراحل كان يُعتبر خليفة محتملا منذ فترة طويلة. لكن خلال العامين الماضيين، بدا وكأنه اختفى عن الأنظار".
ووفقا لثلاثة مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى مطلعين على شؤون خامنئي وعملية الاختيار تحدثوا لصحيفة "نيويورك تايمز"، فإن المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي قال لمستشاريه المقربين إنه "لا يرغب في أن يخلفه ابنه خشية أن يصبح المنصب وراثيا".
لكن وصول مجتبى خامنئي إلى السلطة يوحي بأن دوائر السلطة في إيران- كبار رجال الدين، والحرس الثوري، والسياسيين النافذين، مثل رئيس مجلس الأمن القومي، علي لاريجاني- قد تكاتفوا في خضم أزمة حادة وحرب. بحسب الصحيفة.
ويُعد لاريجاني الذي تصدّر المشهد في إدارة البلاد، ومجتبى خامنئي حليفين وصديقين قديمين. كما يتمتع كلاهما بنفوذ كبير داخل القوات المسلحة الإيرانية.
وقد اختير مجتبى خامنئي من قبل هيئة تُعرف باسم مجلس الخبراء، وتضم 88 من كبار رجال الدين الشيعة.
وبينما كان المجلس يناقش اختياره يوم الثلاثاء، قصفت إسرائيل مبنى في قم، أحد أهم مراكز السلطة الشيعية، حيث كان المجلس يجتمع تقليديا للتصويت على المرشد الجديد.
لكن المبنى كان خاليا، وفقا لوكالة أنباء فارس التابعة للحرس الثوري، وكان رجال الدين يجتمعون عبر الإنترنت لأسباب أمنية.
وتأسس الحرس الثوري كقوة أيديولوجية مكلفة بالدفاع، وتوفير طبقة أمنية احتياطية في حالة حدوث انشقاقات وانقلابات في الجيش.
ومنذ ذلك الحين، تحول الحرس إلى قوة سياسية وعسكرية واقتصادية. وهو الآن يدير موجات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة ضد إسرائيل ودول الخليج والقواعد الأمريكية والسفارات في المنطقة، مع استمرار الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية الضخمة.
ردود الفعل الداخلية والمخاطر
خلال المداولات، ضغطت أغلبية كبار رجال الدين في المجلس لتعيين خامنئي، بحجة أنه يمتلك المؤهلات اللازمة لقيادة إيران في هذه المرحلة، بحسب ثلاثة مسؤولين إيرانيين.
وقال بعض رجال الدين إنه بعد مقتل علي خامنئي على يد أمريكا وإسرائيل، فإن اختيار ابنه سيخلّد إرثه.
ووفق الصحيفة قد يثير تنصيب خامنئي الابن في المنصب غضب الإيرانيين الذين خرجوا إلى الشوارع في احتجاجات بدأت بسبب الإحباط من الأوضاع الاقتصادية المتردية، ثم تحولت إلى مطالبات بتغيير النظام.
ويرى مهدي رحمتي، المحلل في طهران، أن مجتبى "هو الخيار الأمثل الآن لأنه على دراية تامة بإدارة وتنسيق الأجهزة الأمنية والعسكرية. لقد كان مسؤولا عن هذا الأمر بالفعل".
لكن رحمتي أقرّ بأن هذا التعيين ينطوي على خطر زيادة الاستقطاب في مجتمع منقسم بشدة، حيث يعارض العديد من الإيرانيين بشدة حكم النظام الحالي.
وأضاف "سيكون رد فعل جزء من الشعب سلبيا وقوياً على هذا القرار، وسيكون له عواقب وخيمة".
مرشحون آخرون.. ولكن
كان من بين المرشحين الآخرين الذين اعتُبروا من بين المتأهلين النهائيين لمنصب المرشد الأعلى، حسن الخميني، حفيد مؤسس النظام روح الله الخميني، وعلي رضا عارفي، رجل الدين الذي كان عضوا في المجلس الانتقالي الثلاثي للقيادة الذي تم تشكيله بعد مقتل خامنئي.
يُنظر إلى كل من عارفي والخميني على أنهما معتدلان، مع كون الأخير مقربا من الفصيل السياسي الإصلاحي المهمش في إيران.
يرى بعض المحللين أن خامنئي قد يميل إلى الإصلاح، على الرغم من نهج والده. ويجادلون بأنه ينتمي إلى جيل أصغر سنا وأكثر واقعية من رجال الدين، وبسبب نسبه سيواجه مقاومة أقل من الفصائل المتشددة والمحافظة.
وهو ما أشار إليه عبد الرضا داوري، السياسي المقرب من خامنئي، في مقابلة هاتفية من طهران.
وقال داوري: "إذا كان هناك من يستطيع أن يقود نحو نوع من خفض التصعيد مع الولايات المتحدة، فهو هو، وأي شخص آخر سيواجه رد فعل عنيف من الطبقة الحاكمة والمحافظين. إنه ينوي إحداث تغيير جذري".
لكن من غير الواضح كيف ستنظر واشنطن إليه. ففي مؤتمر صحفي عُقد يوم الثلاثاء في واشنطن، قال الرئيس دونالد ترامب إن العديد ممن كانت حكومته تعتبرهم قادة محتملين لإيران قد قُتلوا منذ بدء القتال.
وعند سؤاله عن أسوأ سيناريو محتمل في إيران، أجاب "أعتقد أن أسوأ سيناريو هو أن نفعل هذا ويتولى شخص ما السلطة لا يقل سوءا عن سابقه. صحيح، هذا وارد الحدوث. لا نريد أن يحدث ذلك".
من جهتها، استبقت إسرائيل اختيار المرشد الجديد بتهديدها بأن أي خليفة لخامنئي "سيكون هدفا مؤكدا للاغتيال.