فن

فيلم "22 يوليو".. الوجه القانوني والحكومي والإنساني في مواجهة الإرهاب

الأحد 2018.10.14 02:05 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 560قراءة
  • 0 تعليق
مشهد من فيلم

مشهد من فيلم "22 يوليو"

يستعيد المخرج بول جرينجراس في فيلم "22 يوليو" ‬تفاصيل الاعتداء الإرهابي الذي قام به شاب ينتمي إلى إحدى الجماعات اليمينة المتطرفة في النرويج عام 2011، وذهب ضحيته 77 قتيلاً إلى جانب عشرات من الجرحى، فضلاً عما خلفه من آثار نفسية لعشرات آخرين من المصابين والناجين.


وبمقدار ما يعيد جرينجراس إنتاج الألم في الحكاية بعد سنوات من حدوثها، يعيد إنتاج الأمل بالحياة ومواجهتها، إذ لا يصب الرجل جل اهتمامه في نقل وقائع الحادثة المؤلمة.

وما أن يستعيد ما قام به اليميني النرويجي المتطرف أندرس بهرنج برايفيك من تفجير في مرآب مبنى حكومي غير بعيد عن مبنى رئاسة الوزراء، ومجزرة في معسكر شباب العمال الصيفي في جزيرة أوتويا واستسلام، حتى يسعى لنقل مشهد أوسع، فيتتبع وقائع التحرك الحكومي والقانوني والإنساني في مواجهة ما حدث، لتتفرع الحكاية بين رصد لوقائع محاكمة "أندرس"، الذي يستسلم لقوات الأمن الخاصة، ويطلب توكيل المحامي "جير ليبيستاد" للدفاع عنه، وبين ملاحقة مكابدات الشاب "فيليار" وهو أحد الناجين من المجزرة بعد تعرضه لخمس رصاصات تركت ندوبها في عينه وعرج قدمه، شظايا في رأسه تهدده بالموت في أي لحظة، فضلاً عما خلفته فيه من آثار نفسية وخط ثالث يظهر التحقيقات الحكومية في أسباب المجزرة.


تمضي حبكة أحداث الفيلم في منحى مستقيم وهادئ وعقلاني، تتصاعد أحياناً نحو ذرى بسيطة قبل أن تعود إلى مسارها المستقيم، فالمحامي "جير ليبيستاد" يجد نفسه في صراع بين نفور المجتمع من حوله لقيامه بالدفاع عن إرهابي وبين واجبه كمحامٍ رغم عدم قناعته ببراءة موكله.

أما "فيليار" فيجد نفسه هو الآخر في صراع بين كوابيس ما حدث معه ومخاوفه من رؤية المجرم وبين ضرورة مواجهة هذا الأخير، لينتقم لنفسه ولمن فقدهم من أصدقائه، حتى المحكمة التي تنخدع بداية بادعاء القاتل الجنون، تجد نفسها بين تقارير طبية تجبرها على تحويل المتهم إلى مصح عقلي وبين غضب أهالي الضحايا من قرارها هذا.


سرعان ما يحسم الجميع خياراته لتعود وتمضي الحبكة بمحنى مستقيم، فيقرر المحامي أن يمضي في واجبه كمحامٍ عليه الدفاع عن موكله، ويقرر "فيليار" أن يواجه الإرهابي من أجل أصدقائه بعد أن يستمد الشجاعة من صديقته التي نجت من المجزرة ذاتها ولكنها خسرت أختها فيها، فيما يقرر القضاة إعادة تشخيص الحالة الصحية للمتهم "أندرس" بعد انقلابه على تصريحاته واعترافه بارتكاب المجزرة عن سبق الإصرار.

ومع إفادات "فيليار" تخلص المحاكمة إلى إدانة "أندرس" وتحكم عليه بالحبس الانفرادي إلى أجل غير مسمى, فيما تظهر نتائج التحقيقات الحكومية تقاعساً من قبل الجهات المعنية في مواجهة الارهاب ونقص أدواتها في الاستجابة للرد عليه.


يحرص المخرج بول جرينجراس، مخرجاً ومؤلفاً للفيلم، على إظهار الوجه القانوني والحكومي في مواجهة الإرهاب، والرد عليه بما يليق بدولة قانون وبمجتمع يفخر بقيمه، إلا أن الرد الإنساني على الإرهاب يبقى هو مقولة الفيلم الرئيسية التي تشغل مخرجه.

يقول الناجي فيليار في قاعة المحكمة عن الإرهابي "أندرس": "عندما أطلق النار عليهم وتركني وحيداً على الشاطئ، لم أكن أعرف إذا كنت سأحيا أم سأموت، وكنت ما أزال عالقاً هناك منذ ذلك الحين. ولكنني الآن, أنا أدرك أن لدي فرصة الاختيار. لأنه ما زال لدي عائلة، وأصدقاء، وذكريات، وأحلام وأمل، وحب, وهو لا يحظى بهذا، إنه وحيد تماماً، وسيتعفن في السجن في حين أنني نجوت. واخترت أن أحيا".

فيما يعود المحامي "جير ليبيستاد" إلى قناعته الإنسانية ما أن ينتهي عمله كمحام، فيرفض مصافحة "أندرس" ويرد عليه حين يخبره هذا الأخير بأن آخرين سيكملون ما بدأه: "سنهزمكم.. أولادي وأولادهم سيهزمونكم".


7 سنوات تفصل بين وقوع المجزرة وعرض الفيلم، تبدو معالجته للحادث الإرهابي تعبيراً عملياً للمنطق الفني واشتراطاته عند مقاربة الحدث الواقعي بضرورة انتهاء هذا الحدث وضوح أبعاده، فكانت مقاربة بول جرينجراس الخيار الأمثل لدراما لا تدير ظهرها لما حدث، دون أن تفقد صوابها العاطفي أو تبالغ في حياديتها، وإنما تتجه بخطابها نحو العقل والعاطفة، فكانت فضيلة هذا الخطاب أنه استطاع أن يلتقط الحس الإنساني في التأثر بالمجزرة وسبل مواجهتها، والرد القانوني عليها الذي يمثل قيم الدولة الأوروبية في مجتمع متعدد الثقافات، فضلاً عن إطلاق ناقوس الخطر بأن المعركة مع الإرهاب وحركات التطرف اليميني لم تنته بعد.

ظهر ذلك في شهادة أحد أعضاء تلك الحركات العنصرية، الذي أكد في شهادته بالمحكمة جدية جماعته في “الاستيلاء على السلطة وتغيير المجتمع جملة تفصيلاً"، مشيراً إلى أن "أعمال العنف التي ينفرد بها شخص لن تساعدنا في تحقيق هذا الهدف".


الخطاب العقلاني للفيلم سنعود لنتلمسه في أحجام اللقطات التي يختارها المخرج، والتي يكثر فيها من اللقطات المتوسطة التي تبدو حيادية بظاهرها، ولكنها تسمح للمشاهد بأن يراقب الشخصية وأفعالها، ويصدر أحكامه عليها.

يذكر أن فيلم "22 يوليو" شارك في الدورة الـ75 من مهرجان فينيسيا وفي مهرجان تورنتو السينمائي الدولي سبتمبر/أيلول الماضي.



تعليقات