مركز طيبة.. ذراع إخوانية ثانوية تزحف لصدارة المشهد في برلين
«بناء مقر ضخم واختراق ممنهج للمؤسسات الألمانية» هدفان مرحليان لمركز طيبة الثقافي، وهو ذراع ثانوية للإخوان، في طريق تصدره لمشهد الجماعة في ألمانيا.
ولسنوات، لعب مركز طيبة الثقافي في برلين دورًا ثانويًا في شبكة الإخوان، إذ تولى مسألة اختراق المؤسسات الألمانية، وتعزيز وجود الجماعة في الأوساط السياسية، والحصول على تمويلات من البرامج الحكومية المختلفة.
لكن المركز يسعى في الوقت الحالي إلى دور أكبر في شبكة الإخوان في ألمانيا، في ظل انكشاف الأذرع الرئيسية وفقدانها أدوات التأثير والتواصل، وخاصة منظمة الجالية المسلمة الألمانية، مظلة الجماعة في البلاد، ما يعني أن مركز طيبة يزحف إلى سلسلة القيادة في الشبكة الإخوانية، وفق مراقبين.
وفي سياق تتبع تحركات مركز طيبة، رصدت «العين الإخبارية» حملة تبرعات مثيرة للجدل، وشخصيتين رئيسيتين تمتلكان روابط متشعبة سواء في شبكة الإخوان أو المؤسسات الألمانية.
شواهد مختلفة
شواهد توسع مركز طيبة كثيرة في الـ12 شهرًا الماضية، أولها توقيع مركز طيبة عقد شراء قطعة أرض بمساحة 3095 مترًا مربعًا لمقره الجديد في منطقة برلين-سبانداو، في 18 ديسمبر/كانون الأول 2024.
وفي 31 يناير/كانون الثاني 2025، أطلق المركز حملة تبرعات ضخمة على مواقع جمع التبرعات بهدف جمع السعر الإجمالي للأرض المقدر بـ2.9 مليون يورو بحلول رمضان 2026.
لكن اللافت أنه ذكر في بيان جمع التبرعات على أحد المواقع، الذي تابعته «العين الإخبارية»، أن المبلغ المتبقي من السعر الإجمالي والمطلوب جمعه هو 10% فقط من الـ2.9 مليون يورو.
وفي موقع «Commons Place»، جمع مركز طيبة نحو 368 ألف يورو حتى الآن من نحو 9 آلاف متبرع، وفق ما رصدته «العين الإخبارية»، لكن تقارير ألمانية تشير إلى نجاح حملة التبرعات على مختلف المنصات في جمع 642 ألف يورو في أسابيع قليلة، وهي قوة مالية كبيرة.
ومن المقرر أن يُبنى المركز الثقافي والمسجد على قطعة أرض تبلغ مساحتها 3095 مترًا مربعًا في برلين-سبانداو، لتوسيع نطاق أنشطة المركز بشكل كبير، لتشمل قاعات صلاة فسيحة، وعروضًا تعليمية، وتنظيم لقاءات مجتمعية.
ويقود المشروع فريد حيدر، رئيس مركز طيبة، الذي يناشد في نداءاته للتبرع المتبرعين بشعارات مثل «استثمر في الآخرة» أو «ابنِ بيتك في الجنة»، وينشر مقاطع فيديو ومنشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتيك توك تدعو المجتمع إلى تقديم الدعم.
العلاقة مع مظلة الإخوان
ووفق رصد «العين الإخبارية»، أدرجت هيئة حماية الدستور مركز طيبة في تقاريرها السنوية منذ سنوات بسبب صلاته بجماعة الإخوان وحركة حماس المنبثقة عنها. وأشار وزير الداخلية أندرياس جيزل في 2016 إلى أن رقابة مركز طيبة ستستمر.
وبحسب هيئة حماية الدستور في برلين، فإن مركز طيبة ينتمي إلى شبكة محلية تُعتبر جزءًا من جماعة الإخوان، وتضم أربع جمعيات هي: المركز الثقافي للحوار والتعليم، والمركز الإسلامي للثقافة والتعليم، ومركز نويكولن للقاءات، المعروف أيضًا باسم مسجد دار السلام، ومركز طيبة الثقافي لتعزيز التعليم والتفاهم (مركز طيبة).
الأكثر من ذلك، جاء في مذكرة أرسلتها بلدية برلين إلى برلمان الولاية في نوفمبر/تشرين الثاني 2018: «تأكدت التقديرات السابقة التي توصلت إليها وكالة حماية الدستور في برلين بأن مركز طيبة الثقافي له صلات شخصية بمنظمة الجالية المسلمة الألمانية»، مضيفة أن المنظمة الأخيرة «متطرفة».
وذكرت الوثيقة أيضًا: «تشارك قيادة مركز طيبة منذ عدة سنوات في المؤتمرات السنوية للجالية المسلمة الألمانية، وهذا يدل على وجود صلة شخصية بين المنظمتين».
ووفق دراسة سابقة لمركز الاتحاد للتدريب السياسي في ألمانيا، فإن مركز طيبة يروج لكتابات يوسف القرضاوي وأفكار الإخوان المتطرفة.
فريد حيدر
حيدر، الذي نشأ في حي نويكولن في برلين، وكان شبابه مليئًا بمشكلات المخدرات قبل أن يتحول في بداية القرن الحالي إلى أحد أصغر الأئمة في ألمانيا، يشغل منصب رئيس مجلس إدارة مركز طيبة منذ 2009.
وتقول دراسة لمركز توثيق الإسلام السياسي في النمسا، نُشرت عام 2021، إن فريد حيدر عمل في عدة مساجد في ألمانيا تعتبرها هيئة حماية الدستور جزءًا من شبكة جماعة الإخوان المسلمين: مركز طيبة في برلين، ومركز نويكولن للقاءات، ومسجد بلال في فرانكفورت.
في الوقت نفسه، كان حيدر محاضرًا في دورة دراسية عن بُعد تابعة لخدمة المعلومات الألمانية حول الإسلام، والتي تعمل وفقًا لمناهج المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، الجامعة التابعة لجماعة الإخوان المسلمين في فرنسا.
وأعلنت باريس مطلع سبتمبر/أيلول 2025 حل المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) في شاتو-شينون إثر اتهامات بالتحريض على الكراهية والتورط في أنشطة مرتبطة بالتطرف.
ويُعد حيدر نقطة تلاقي شبكة الإخوان، إذ يمثل حلقة وصل بين طيبة ومؤسسات أخرى في برلين وآخن، وفق ما ذكرته الخبيرة الألمانية في شؤون الإسلام السياسي سيغريد هيرمان لـ«العين الإخبارية».
محمد حجاج
الشخصية الثانية الرئيسية في مركز طيبة هي محمد حجاج، نائب رئيس مجلس إدارة المركز، والمدير الإداري لجمعية «إنسان» في الوقت نفسه.
ووفق بحث أجرته صحيفة «دي فيلت» الألمانية قبل سنوات، فإن حجاج وجمعية «إنسان» مرتبطان بالإخوان.
ومثل مركز طيبة، خضعت جمعية «إنسان» نفسها لرقابة هيئة حماية الدستور في الفترة بين عامي 2007 و2009، وأدرجتها الهيئة ضمن «الجمعيات القريبة من الإخوان».
وحجاج وليديا نوفل، رئيسة جمعية «إنسان»، يشغلان مجموعة من المناصب؛ فكلاهما ينتمي إلى اللجنة التنفيذية للمجلس المركزي للمسلمين، الذي «تلاحقه اتهامات بالخضوع لإرادة الإخوان» في برلين، وكلاهما عضو في مجموعة عمل الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
وذكرت وثيقة لبرلمان ولاية برلين تعود إلى 2018، واطلعت عليها «العين الإخبارية»، أن حجاج يملك علاقات جيدة في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وتتقاطع روابطه التنظيمية مع مؤسسات أخرى في ألمانيا مثل «إنسان»، وشخصيات رئيسية في شبكة الإسلاموية مثل ليديا نوفل.
لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك؛ ففي 2014 كان حجاج يقدم نفسه كرئيس للمكتب السياسي للجالية الفلسطينية في ألمانيا، وهي المنظمة نفسها التي أعلنت هيئة حماية الدستور في خريف العام نفسه أنها ذراع لحركة حماس.
اختراق حجاج للمؤسسات الألمانية لم يتوقف عند الحزب الاشتراكي الديمقراطي، إذ عينته ولاية برلين في لجنة مكافحة العنصرية ضد المسلمين التي أسستها عام 2021.
مركز خيوط الإخوان
وتقول سيغريد هيرمان لـ«العين الإخبارية»: «في طيبة تتلاقى خيوط مختلفة عبر محمد حجاج، وخاصة مركز التعليم في أرنسبيرغ (مؤسسة تعليمية تابعة لجماعة الإخوان)، والمجتمع الفلسطيني في برلين، والحزب الاشتراكي الديمقراطي».
وتابعت: «يمثل حجاج وحيدر جيلًا شابًا من الإسلاميين يتمتع بشبكة علاقات جيدة، ويسعى إلى تحقيق أهدافه بتحد وإصرار»، مضيفة: «يزداد ذلك أهمية، خاصة من خلال الانتقال السلس والوصول إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي»، الشريك في الائتلاف الحاكم في ألمانيا.
وأضافت: «من حيث المبدأ، يوفر المقر الجديد المنتظر فرصة تدريب وتوسع إضافية، وحتى في الوضع الحالي، لا يمكن للسياسة المحلية أن تعارض ذلك بسبب الافتقار إلى الإرادة السياسية».
وترى سيغريد هيرمان أن «حظر الجمعيات» النشطة في إطار شبكة الإخوان هو الطريق الوحيد لمواجهة نفوذ الجماعة، قبل أن تحذر: «أصبح لدى جماعة الإخوان الآن مداخل ومناصرون حتى في أعلى دوائر الحكومة على مستوى الولاية والاتحاد الألماني».
هنا يبرز دور مركز طيبة، إذ يرى مراقبون أن المركز يتصدر مشهد أنشطة الإخوان في ألمانيا بشكل متزايد، ويلعب دور الربط بين عناصر شبكة الجماعة، فضلًا عن اختراق المؤسسات الألمانية لممارسة نفوذ قوي في دوائر صنع القرار، خاصة بعد أن شلت الرقابة والوصم الإعلامي منظمة الجالية المسلمة الألمانية، ذراع الإخوان الرئيسي في الأراضي الألمانية.