في متابعة ما يجري اليوم من مفاوضات وضغوط متبادلة بين واشنطن وطهران، ومن استنزاف طويل في الحرب الروسية الأوكرانية يتداخل فيه التصعيد العسكري مع الرسائل السياسية ومسارات التفاوض.
يبدو واضحاً أن الصراعات الحديثة لم تعد تُدار بمنطق النصر الكامل أو الهزيمة الكاملة بل بمنطق الوصول إلى أفضل نتيجة ممكنة ضمن ميزان القوى القائم.
فالكثير من المتابعين يحاولون قراءة أي تصعيد أو تنازل باعتباره مؤشراً على منتصر ومهزوم، بينما الواقع الاستراتيجي أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
ففي السياسة الحديثة لم تعد الدول تدير الصراعات بمنطق الحسم المطلق بل بمنطق إدارة القوة والزمن والمصالح. ولهذا أصبحت المفاوضات في كثير من الأحيان ليست طريقاً لإنهاء الأزمات بل أداة لإدارتها وإعادة تشكيل موازين القوى تدريجياً.
ومن هنا يمكن فهم طبيعة المفاوضات المعقدة التي تمتد لسنوات دون حسم نهائي. فبعض الأطراف لا تدخل التفاوض بهدف الوصول إلى اتفاق سريع بل بهدف تحسين موقعها السياسي أو الأمني أو الاقتصادي، وتقليل خسائرها، وتحقيق مكاسب تراكمية مع مرور الوقت.
في هذا النوع من المدارس التفاوضية، لا يُنظر إلى الربح باعتباره انتصاراً كاملاً، بل باعتباره القدرة على الوصول إلى أفضل نتيجة ممكنة ضمن الظروف القائمة. كما لا تُفهم الخسارة باعتبارها سقوطاً كاملاً بل باعتبارها الفشل في تحقيق الحد الأعلى الممكن من المكاسب.
ولهذا نرى بعض القوى تُطيل الزمن التفاوضي، وتُجزّئ الملفات، وتفتح أكثر من مسار في الوقت نفسه، وتحوّل كل قضية إلى مراحل متعددة بدلاً من حسم شامل وسريع. فكل جولة تفاوض تمنح مساحة جديدة للمناورة، وكل ملف إضافي يخلق ورقة ضغط جديدة، وكل تأخير قد يسمح بإعادة ترتيب المشهد الإقليمي أو الدولي بصورة أفضل.
هذه العقلية لا ترى التفاوض مجرد وسيلة للحل بل تعتبره ساحة صراع موازية للحرب والسياسة والاقتصاد والإعلام. ولذلك فإن التصعيد الميداني أو الضغوط السياسية التي تتزامن مع المفاوضات لا تُفهم دائمًا باعتبارها مؤشراً على انهيار المسار السياسي، بل قد تكون جزءاً من عملية رفع السقف وتحسين الشروط التفاوضية.
ولعل الحرب الباردة تمثل أحد أوضح النماذج التاريخية لهذا المفهوم؛ فلم يكن الصراع بين أطرافها قائماً على حسم عسكري مباشر بل على إدارة طويلة للتوازنات واستنزاف الخصم اقتصاديًا وسياسيًا حتى تغيّرت موازين القوى تدريجياً.
فالتفاوض خلال تلك المرحلة لم يكن لإنهاء الصراع بل لتنظيمه ومنع انفجاره الكامل، بينما استمرت المعركة الحقيقية في الاقتصاد، والنفوذ، والتكنولوجيا، والتحالفات الدولية. وحتى الاتفاقات الكبرى لم تكن تعني نهاية المواجهة بل إعادة ضبط لقواعدها بما يحافظ على التوازن ويمنع الانفجار.
وقد ظهرت ملامح هذه المدرسة التفاوضية بدرجات مختلفة في تجارب عديدة، من اتفاقيات كامب ديفيد إلى بعض مسارات التفاوض المعاصرة المرتبطة بالحروب والاستنزاف الطويل، وصولًا إلى الاتفاق النووي الإيراني الذي عكس نموذجًا حديثًا للتفاوض متعدد المسارات وتجزئة الملفات وإدارة الضغوط المتبادلة.
لكن رغم ما قد تمنحه هذه المدرسة التفاوضية من مرونة وقدرة على المناورة، فإن مخاطرها كبيرة. فإطالة أمد التفاوض قد تتحول إلى استنزاف سياسي واقتصادي وأمني، خصوصاً عندما لا تتحول المكاسب المرحلية إلى نتائج مستقرة وملموسة.
كما أن الاعتماد المستمر على إدارة الأزمات بدل حلّها قد يخلق حالة من التعليق الاستراتيجي حيث تبقى الدول عالقة بين التصعيد والتهدئة دون الوصول إلى استقرار حقيقي طويل المدى. وفي بعض الأحيان يتحول النجاح في إدارة الصراع إلى عجز عن إنهائه.
ولهذا فإن المكاسب التراكمية ليست مضمونة دائماً؛ فهي قد تتحول سريعًاً إلى خسائر إذا تغيّرت البيئة الدولية أو تبدلت التحالفات أو تراجع ميزان القوة الذي بُنيت عليه هذه الاستراتيجية.
في النهاية، لا توجد في السياسة الدولية أرباح مطلقة، كما لا توجد خسائر مطلقة. هناك فقط دول تعرف كيف تدير الوقت، وتُراكم المكاسب، وتُقلل الخسائر، وتتحرك داخل التعقيد الدولي بعقلية استراتيجية طويلة النفس. لكن يبقى التحدي الحقيقي ليس فقط في القدرة على إدارة الصراع، بل في معرفة اللحظة التي يجب أن يتحول فيها التفاوض من أداة لإدارة الأزمة إلى أداة لصناعة الاستقرار.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة