الحياة في زمن الحرب.. أوروبا تتدرب على النجاة وبريطانيا «متأخرة»
في صباح يوم ممطر وعاصف، كان فويتشخ كرول، وهو أب لطفلين، يتعلم كيفية الدخول في «وضع التخفي» في غابات جنوب بولندا.
وبينما تتساقط قطرات المطر من غطاء سترته، يحفر مبرمج الكمبيوتر البالغ من العمر 33 عامًا حفرتين في العشب متصلتين بنفق صغير لإشعال نار تكفي للطهي.
هذا الدرس كان داخل قاعدة عسكرية بولندية، حيث يتعلم كرول كيفية الحفاظ على حياة أسرته إذا احتاجوا للاختباء من القوات الروسية والطائرات بدون طيار، في اتجاه متزايد بالقارة الأوروبية.
وقال كرول، الأب لطفلين يبلغان من العمر عامًا واحدًا وخمسة أعوام، لصحيفة «التلغراف»: "قررت المشاركة لأنه توجد حرب على الحدود (في أوكرانيا) ولديّ عائلة، لذا من المهم بالنسبة لي أن أتعلم كيف أعتني بهم".
وتابع: "بعض الأمور أصعب مما تبدو عليه – فقد شعرت بألم في فكي عندما ارتديت قناع الغاز".
ومع إعادة تسليح أوروبا في مواجهة روسيا، أصبح مفهوم الدفاع المدني، أي تدريب المدنيين وحمايتهم في أوقات الحرب، لا يقل أهمية عن القدرة على تجنيد المجندين أو إنتاج الأسلحة بكميات كبيرة.
وفي جميع أنحاء المناطق الاسكندنافية والبلطيقية، يتدفق المدنيون على دورات البقاء على قيد الحياة، ويسجلون أنفسهم كاحتياطيين أو يتطوعون في وحدات الدفاع المدني، التي تدير الملاجئ وتقوم بإنقاذ الأشخاص من المباني المدمرة.
وهذه هي المرة الأولى منذ جيل كامل التي تستعد فيها دول في جميع أنحاء أوروبا، وبعضها لا يزال يحمل ندوب القرن العشرين، للحرب، وفق الصحيفة.
كرول، الذي يقيم في كراكوف، هو واحد من آلاف البولنديين المشاركين في برنامج عسكري جديد يُدعى «wGotowości»، أو «في حالة استعداد».
وفي عشرات المواقع في أنحاء بولندا، تُدرَّس في هذه الدورات مهارات البقاء على قيد الحياة والإسعافات الأولية والملاحة، بالإضافة إلى بعض التكتيكات الحديثة استجابةً للتطورات الأخيرة على ساحة المعركة في أوكرانيا.
وفي الدورة التدريبية التي عقدت في بولندا، لا يقتصر التدريب على تعليم المشاركين كيفية الاستجابة لصافرات الإنذار الجوي فحسب، بل يشمل أيضًا كيفية إخفاء موقع ملجأهم عن العدو من خلال تقليل استخدام الهواتف إلى أدنى حد ممكن.
وتم إطلاق مبادرة «في حالة استعداد» العام الماضي، رداً على توغل غير مسبوق لطائرات مسيرة روسية إلى أراضي بولندا في 9 سبتمبر/أيلول.
وفي سبتمبر 2025، أسقطت طائرات حلف شمال الأطلسي "الناتو"، أربع طائرات مسيرة على الأقل، في واحدة من أخطر حالات التصعيد بين الناتو وروسيا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022.
وحذر دونالد تاسك، رئيس الوزراء البولندي، آنذاك، من أن هجومًا روسيًا على الجناح الشرقي لحلف "الناتو" قد يكون على بُعد أشهر، وأن المدنيين قد يحتاجون إلى مهارات البقاء على قيد الحياة للتعامل مع الوضع قبل وصول المساعدة.
وتأمل بولندا، التي تشترك في الحدود مع أوكرانيا، وجيب كالينينغراد الروسي، ودولة بيلاروسيا، في تجنيد نصف مليون جندي متفرغ واحتياطي بحلول عام 2039.
وفي الوقت الذي تضخ فيه موسكو ما يصل إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي في ميزانيتها العسكرية، يجري حالياً توسيع كبير لبرامج الدفاع المدني والتجنيد في مناطق الشمال الأوروبي ودول البلطيق.
فنلندا والسويد على الخط نفسه
وقد أصدرت حكومتا فنلندا والسويد منشورات بعنوان «الاستعداد للحرب» تتضمن تعليمات بشأن الأحكام العرفية، وكيفية العثور على الملاجئ المحلية، وتوزيع الحصص الغذائية.
وعلى غرار دورة «في حالة استعداد» البولندية، هناك صفحات مخصصة للتعامل مع الهجمات الإلكترونية والحرب الإلكترونية وحتى التعرف على ”الأخبار المزيفة“ التي يروجها العدو، في دول الشمال الأوروبي.
بريطانيا تتخلف عن الركب
وقد لفتت هذه النشرات انتباه الحكومة البريطانية التي لم تضع بعد ما يعادلها، وفق "تليغراف".
ورغم أن بريطانيا تمتلك موقعًا إلكترونيًا حول التعامل مع حالات الطوارئ يُسمى «بريبير» (Prepare)، إلا أنه لا يتضمن نصائح محددة تتعلق بأوقات الحرب.
وهذا المجال ليس الوحيد في الدفاع المدني الذي يساور المسؤولين البريطانيين القلق بشأن ضعف الاستعدادات فيه، حسبما علمت الصحيفة.
إذ تشعر أجهزة الاستخبارات البريطانية بالقلق إزاء انخفاض مستوى الوعي العام بالتهديد الذي تشكله روسيا، على الرغم من سلسلة الخطب المنسقة التي ألقاها مسؤولون بريطانيون.
ولكن..
والسيناريو الأكثر ترجيحاً لاندلاع صراع مع روسيا الذي تتصوره بريطانيا، هو هجوم على قطاعي الطاقة والاتصالات، في محاولة لإغراق البلاد في الصمت والظلام.
في هذا الحالة، سيكون من الضروري استدعاء آلاف المهندسين المتخصصين للتصدي لمثل هذا الهجوم، لكن نظراً لأن الكثير منهم من الاحتياطيين العسكريين الذين لديهم مهام أخرى، فقد لا يتمكنون من التصرف.
وهناك مشكلة أخرى تتمثل في الهجرة، إذ يختار العديد من العاملين في قطاع الاتصالات مغادرة بريطانيا بمجرد اندلاع الحرب، نظرًا لأنهم أجانب.
وعلى عكس الدول الاسكندنافية، التي احتفظت بوحدات الدفاع المدني الخاصة بها بعد الحرب الباردة، قامت بريطانيا بتوزيع المسؤولية على مكتب مجلس الوزراء والإدارات المفوضة والسلطات المحلية وبعض المجموعات التطوعية.
في حين أن فنلندا لديها 50,500 ملجأ، يمكن أن تستوعب 4.8 مليون شخص، أي حوالي 85 في المائة من السكان، فإن شبكة الملاجئ البريطانية التي تعود إلى الحرب العالمية الثانية قد أصبحت في حالة سيئة إلى حد كبير.