اجتماع باريس يرسم «اليوم التالي» لحرب أوكرانيا و«غلاف الأمن» بشرق أوروبا
الاجتماع الدولي الأخير في باريس، شكّل محطة سياسية مفصلية في مسار التعامل الغربي مع الحرب في أوكرانيا، ومنظومة الأمن بشرق أوروبا.
إذ اجتمع عدد كبير من رؤساء الدول والحكومات الأوروبية، إلى جانب الولايات المتحدة وكندا واليابان، في إطار ما يعرف بـ"تحالف الدول المتطوعة"، هذا الأسبوع، لمناقشة سبل الانتقال من إدارة الحرب إلى التحضير لمرحلة ما بعد وقف محتمل لإطلاق النار.
ويعد هذا الاجتماع الأوسع تمثيلا منذ اندلاع النزاع عام 2022، ما يعكس إدراكا متزايدا في العواصم الغربية، بأن مستقبل الأمن الأوروبي بات مرتبطا مباشرة بمآلات الحرب في أوكرانيا.
وتركزت المحادثات بشكل أساسي على آليات وقف إطلاق النار، والدعم المستمر للقوات المسلحة الأوكرانية، إضافة إلى بلورة تصور عملي لضمانات أمنية طويلة الأمد تحول دون تجدد النزاع، بحسب ما طالعته "العين الإخبارية" في محطة "بي.إف.إم" التلفزيونية الفرنسية.
"قوة طمأنة"
وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن توقيع باريس ولندن وكييف "إعلان نوايا" يقضي بدراسة نشر قوة متعددة الجنسيات في أوكرانيا فور التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
وأوضح ماكرون، أن هذه القوة لا تهدف إلى خوض عمليات قتالية، بل إلى توفير ما وصفه بـ"قوة طمأنة" تضمن الاستقرار في اليوم التالي للسلام، وتمنع أي محاولة روسية مستقبلية لزعزعة الوضع الأمني.
وفي تصريحات لوسائل الإعلام الفرنسية، لم يستبعد ماكرون إمكانية نشر «عدة آلاف من الجنود» ضمن هذه القوة، مؤكداً أن الأمر يتعلق بضمان السلام وليس المشاركة في القتال.
كما شدد على أن هذا الانتشار المحتمل سيكون جزءاً من عمليات خارجية مخطط لها، وقد يشمل أيضاً مساهمات غير قتالية مثل الاستطلاع والمراقبة ودعم إعادة بناء قدرات الجيش الأوكراني.
ويعكس هذا الطرح تحولاً واضحاً في المقاربة الفرنسية والأوروبية، من الدعم العسكري غير المباشر إلى التفكير في ترتيبات أمنية ميدانية بعد الحرب.
من جانبها، شاركت الولايات المتحدة بشكل مباشر في الاجتماع، وأبدت التزامها بقيادة آليات مراقبة وقف إطلاق النار في حال التوصل إليه، مع مساهمات من عدة دول أوروبية.
كما أعلن المشاركون في الاجتماع، إنشاء خلية تنسيق مشتركة بين أوكرانيا والولايات المتحدة وتحالف الدول المتطوعة، بهدف ضمان التكامل بين مختلف الجهود العسكرية والأمنية.
ترحيب غربي وارتياح أوكراني
إلى ذلك، رحب وزراء خارجية مجموعة السبع بهذا التقدم، معتبرين أن الضمانات الأمنية المطروحة تشكل خطوة أساسية نحو سلام مستدام.
فيما عبّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن ارتياحه لما وصفه بـ"وثائق جوهرية" تتضمن التزامات واضحة، مؤكداً أن بلاده لا تحتاج إلى وعود سياسية بقدر حاجتها إلى ضمانات قانونية ملزمة، بحسب صحيفة "لا ديبيش" الفرنسية.
تباين أوروبي
على الصعيد الأوروبي، تباينت مواقف القادة بشأن طبيعة المشاركة المستقبلية، إذ أقرّ المستشار الألماني فريدريش ميرتس بأن التوصل إلى السلام سيتطلب قدراً من الواقعية وربما تقديم تنازلات.
في حين جددت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، رفض بلادها إرسال قوات برية إلى أوكرانيا.
أما رئيس الوزراء البولندي، دونالد توسك، فقد عبّر عن تشكيكه العميق في نوايا روسيا، داعياً إلى مواصلة ممارسة أقصى الضغوط السياسية والاقتصادية عليها.
من الدبلوماسية للميدان
بالتوازي مع هذا الحراك الدبلوماسي، استمرت التطورات الميدانية، حيث أعلن الجيش الأوكراني، استهداف منشأة نفطية داخل الأراضي الروسية، في إشارة إلى أن المسار العسكري لا يزال قائماً إلى جانب المساعي السياسية.
ويرى مراقبون أن هذا التزامن يؤكد أن الغرب يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين الضغط العسكري والدفع الدبلوماسي، في محاولة لتهيئة ظروف لسلام لا يكون هشّاً أو مؤقتاً.
كما يرون أن اجتماع باريس يعكس في المحصلة تحولاً نوعياً في التفكير الغربي، إذ لم يعد النقاش محصوراً في كيفية دعم أوكرانيا خلال الحرب، بل انتقل إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بكيفية ضمان أمنها واستقرارها بعد توقف القتال.