لن تصدق كيف تهدد حرب الشرق الأوسط صحة البريطانيين.. عالم صغير جدا
مع استمرار توترات الشرق الأوسط، يبرز وجه خفي لأزمة الرعاية الصحية البريطانية، بعدما كشف مراقبون عن اعتمادها الكبير على البتروكيماويات، ما يثير تساؤلات حول هشاشة سلاسل الإمداد الحيوية لديها.
وقال تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية إن منظومة الرعاية الصحية تواجه بالفعل تحديات متصاعدة مع تداعيات الحرب في إيران، حيث دخلت حالة تأهب قصوى تحسبًا لنقص محتمل في الأدوية والمستلزمات الطبية وارتفاع تكلفتها، في ظل اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
وتشمل هذه المواد مكونات أساسية تدخل في تصنيع الأدوية، إضافة إلى ملايين المنتجات الطبية ذات الاستخدام الواحد مثل القفازات، وأكياس المحاليل الوريدية، والحقن، ومعدات الوقاية الشخصية.
وتُعد هيئة الخدمات الصحية البريطانية من أكبر المشترين عالميًا، حيث تنفق نحو 8 مليارات جنيه استرليني سنويًا على المعدات والمستلزمات، إلى جانب أكثر من 21 مليار جنيه على الأدوية. ومع ذلك، فإن هذا الحجم الكبير من الإنفاق لا يحميها بالكامل من اضطرابات السوق، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على سلاسل توريد عالمية معقدة.
أفق سلبي للأزمة
ورغم أن النقص المؤقت في بعض الأدوية والمستلزمات ليس أمرًا جديدًا، إلا أن الأزمة الحالية تهدد بتفاقم الوضع بشكل غير مسبوق، مع احتمال توسع نطاق العجز وارتفاع الأسعار عالميًا، ما يدفع الدول إلى التنافس على تأمين احتياجاتها.
وفي ذلك السياق، حذر المدير التنفيذي لهيئة خدمات الصحة البريطانية جيم ماكي من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى “صدمة كبيرة” في الأسعار، تستدعي دعمًا ماليًا إضافيًا من الحكومة.
وفي محاولة لتفادي الأسوأ، بدأت الهيئة في زيادة مشترياتها من الأدوية والمعدات لتكوين مخزون احتياطي. ورغم عدم وجود نقص فعلي في الوقت الراهن، فإن استمرار الصراع لفترة أطول قد يغير هذا الوضع، خاصة مع المخاطر التي تهدد البنية التحتية للطاقة في منطقة مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.
وتدير الهيئة عملية شراء وتوريد أكثر من 620 ألف منتج، بدءًا من المستلزمات البسيطة وصولًا إلى الأجهزة الطبية المتقدمة. وأكدت الإدارة أنها تعمل على تعزيز المخزون والتواصل مع الموردين لضمان استمرارية الإمدادات، في ظل تعقيدات لوجستية متزايدة.
كما زادت الأزمة من تعقيد النقل الجوي، ومع اضطراب حركة الطيران وارتفاع أسعار الوقود، أصبحت سلاسل الإمداد أكثر هشاشة.
ويحذر خبراء من أن العديد من الأدوية، خاصة المستخدمة في علاج السرطان، تعتمد على عدد محدود جدًا من الموردين، ما يجعلها عرضة لأي خلل في سلسلة التوريد. ويصف متخصصون هذه الشبكات بأنها “معقدة للغاية”، حيث تمتد عبر دول متعددة بهدف خفض التكاليف.
تغيّر أنماط الاستهلاك
وفي ظل هذه الضغوط، بدأت بعض المستشفيات في مراجعة أنماط الاستهلاك. ففي أحد المستشفيات، يتم استخدام ملايين القفازات سنويًا، ما دفع إلى إطلاق حملات للحد من الاستخدام المفرط، والتركيز على بدائل مثل غسل اليدين عند الإمكان. ويرى خبراء أن الأزمة قد تدفع القطاع الصحي إلى تبني ممارسات أكثر كفاءة، مثل تقليل الهدر وعدم فتح الأدوات الطبية إلا عند الحاجة الفعلية، خاصة أن العديد من المنتجات تُهدر بمجرد فتحها دون استخدام.
على صعيد الأسعار، شهدت العديد من المنتجات الطبية زيادات حادة منذ اندلاع الحرب. فقد ارتفعت أسعار القفازات بنسبة تصل إلى 40%، نتيجة زيادة تكلفة المواد الخام، وعلى رأسها “النافثا”، وهي مادة مشتقة من النفط تدخل في تصنيع معظم المنتجات الطبية.
كما سجلت أسعار البلاستيك الطبي والألياف الصناعية، المستخدمة في الكمامات والملابس الطبية، ارتفاعات كبيرة، ما ينذر بنقص محتمل في الإمدادات خلال الأشهر المقبلة.
ويحذر محللون من أن استمرار هذه الاضطرابات قد يدفع الشركات المصنعة إلى تفضيل الأسواق التي تدفع أسعارًا أعلى، ما يضع ضغوطًا إضافية على أنظمة الرعاية الصحية التي تعتمد على شراء كميات كبيرة بأسعار منخفضة.
ورغم وجود مخزونات احتياطية تكفي لأسابيع، إلا أن الاعتماد على نظام “التوريد في الوقت المناسب” قد يصبح نقطة ضعف خطيرة في حال استمرار الأزمة، ما يعزز الدعوات لإعادة توطين بعض الصناعات الطبية وتقليل الاعتماد على الخارج.
وفي مواجهة هذه التحديات، تؤكد السلطات الصحية البريطانية أنها تمتلك خططًا للتعامل مع أي نقص محتمل، بما في ذلك تأمين بدائل وتوسيع المخزون. لكنها في الوقت ذاته تدرك أن الأزمة الحالية قد تفرض واقعًا جديدًا، يتطلب إعادة التفكير في كيفية إدارة الموارد الصحية عالميًا.