نيجيريا تختار التنوع في ظل بيئة أمنية شديدة التغير
في ظل بيئة أمنية شديدة السيولة وضغوط أمريكية، اختارت نيجيريا تنويع تحالفاتها الاستراتيجية للتعامل مع التحديات الأمنية المطروحة عليها.
واعتبر خبراء في شؤون الأمن الإقليمي وغرب أفريقيا أن التحركات الدبلوماسية والعسكرية التي تقودها نيجيريا في الآونة الأخيرة تعكس إدراكًا متقدمًا لطبيعة التهديدات الأمنية في منطقة الساحل، وتؤشر إلى توجه استراتيجي يقوم على توسيع الشراكات الدولية وتعزيز تبادل الخبرات في مجالي مكافحة الإرهاب وأمن الملاحة البحرية.
وخلال الأيام الماضية، شهدت العاصمة النيجيرية أبوجا نشاطًا أمنيًا لافتًا، تمثل في زيارات متزامنة لمسؤولين عسكريين من الولايات المتحدة وفرنسا، شملت لقاءات مع إدارة المركز الوطني النيجيري لمكافحة الإرهاب، في إطار تعزيز التعاون في مجالات التنسيق الاستخباراتي وبناء القدرات.
وتأتي هذه التحركات في وقت وقّع فيه الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو تسع اتفاقيات ثنائية مع تركيا، كان من بينها اتفاق يركز على التعاون الدفاعي، ما يعكس حرص نيجيريا على تنويع شركائها وتوسيع دائرة التعاون الأمني بما يخدم استقرارها الداخلي وأمن محيطها الإقليمي.
إدراك عميق للمخاطر
وقال البروفيسور كويسي أنينغ، مدير الشؤون الأكاديمية والبحثية في مركز كوفي عنان الدولي للتدريب على حفظ السلام، لـ"العين الإخبارية"، إن التحركات الأمنية والدبلوماسية التي تنتهجها نيجيريا في المرحلة الراهنة تعكس وعيًا استراتيجيًا متقدمًا بطبيعة التحديات الأمنية المعقدة التي تشهدها منطقة الساحل وغرب أفريقيا، حيث لم تعد التهديدات محصورة في جماعات مسلحة تقليدية، بل باتت تشمل شبكات عابرة للحدود تجمع بين الإرهاب والجريمة المنظمة والقرصنة البحرية.
وأكد أنينغ أن تنويع الشراكات الأمنية، سواء مع القوى الغربية أو مع شركاء صاعدين مثل تركيا، يمثل نهجًا عمليًا يتماشى مع التحولات الجيوسياسية الراهنة، ويمنح نيجيريا أدوات متعددة للتعامل مع بيئة أمنية سريعة التغير.
وأوضح أن التعاون مع الولايات المتحدة وفرنسا يوفّر خبرات متقدمة في مجالات الاستخبارات والتنسيق العملياتي، بينما تتيح الشراكة مع تركيا فرصًا مهمة في مجالات التدريب العسكري ونقل التكنولوجيا الدفاعية.
وأضاف أن نيجيريا، بصفتها أكبر كتلة سكانية واقتصادية في أفريقيا، تتحمل مسؤولية مضاعفة في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، مشيرًا إلى أن تعزيز قدراتها الوطنية لا يخدم أمنها الداخلي فحسب، بل ينعكس مباشرة على استقرار دول الجوار، لا سيما في حوض بحيرة تشاد ومنطقة خليج غينيا.
ولفت أنينغ إلى أن التركيز على أمن خليج غينيا يُعد عنصرًا بالغ الأهمية، نظرًا للدور الحيوي الذي يلعبه هذا الممر البحري في التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. فمواجهة تحديات القرصنة والتهريب والجريمة البحرية تتطلب تعاونًا إقليميًا ودوليًا منسقًا، وهو ما تسعى نيجيريا إلى ترسيخه من خلال شراكاتها القائمة.

كما شدد الخبير الأفريقي على أن المقاربة النيجيرية القائمة على التعاون المتعدد الأطراف تسهم في بناء منظومة أمنية أكثر مرونة واستدامة، إذ تسمح بتبادل الخبرات، وتطوير القدرات المحلية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الوطنية والإقليمية، مع الحفاظ على سيادة القرار الوطني واحترام خصوصيات السياق المحلي.
واعتبر البروفيسور أنينغ أن ما تشهده نيجيريا اليوم من حراك دبلوماسي وأمني يعكس رؤية براغماتية تهدف إلى التعامل مع التهديدات المعاصرة بأدوات متنوعة وشراكات متوازنة، مؤكدًا أن هذا التوجه ينسجم مع الجهود الأوسع لتعزيز الأمن الجماعي في أفريقيا، ويدعم مساعي الاستقرار والتنمية في منطقة الساحل وغرب القارة.
التنوع خيار استراتيجي
وخلال زيارة رسمية إلى أنقرة، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استعداد بلاده لتقاسم خبرتها في مجال مكافحة الإرهاب مع نيجيريا، مشيرًا إلى أن الجانبين بحثا فرص التعاون في مجالات التدريب العسكري وتبادل المعلومات الاستخباراتية، بحسب إذاعة "إر.إف.إي" الفرنسية.
كما التقى الوفد النيجيري بعدد من ممثلي شركات الصناعات الدفاعية التركية، في خطوة تعكس اهتمام أبوجا بتطوير قدراتها التقنية والعسكرية، في ظل التحديات التي تفرضها الجماعات المسلحة الناشطة في شمال البلاد ومحيطها الإقليمي.
وبالتوازي مع الانفتاح على تركيا، تواصل نيجيريا تعزيز تعاونها مع شركائها التقليديين، حيث قام قائد القيادة الفرنسية لأفريقيا، الجنرال باسكال إياني، بزيارة رسمية إلى أبوجا، شملت لقاءات مع قيادة البحرية النيجيرية ومنسق المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، إضافة إلى رئاسة الأركان العامة.
وتركزت المباحثات على سبل تعزيز التعاون القائم في خليج غينيا، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية الحيوية في أفريقيا، ويواجه تحديات متعلقة بالقرصنة والجريمة العابرة للحدود.
ومن جانبها، قالت الدكتورة إيما بيريكورانغ، رئيسة برنامج عمليات دعم السلام في مركز كوفي عنان الدولي للتدريب على حفظ السلام، إن تنويع الشراكات الأمنية بات خيارًا استراتيجيًا منطقيًا لنيجيريا في ظل تعقّد التهديدات الأمنية في منطقة الساحل وغرب أفريقيا.
وأضافت، في تصريح لـ"العين الإخبارية"، أن الجمع بين الدعم الذي توفره الشراكات الغربية والخبرة التي تطرحها تركيا في مجالات التدريب العسكري وبناء القدرات يمنح نيجيريا هامشًا أوسع لتعزيز قدراتها الوطنية، ويُسهم في تطوير استجابات أكثر شمولًا وفعالية للتحديات الأمنية المتغيرة.
وأشارت بيريكورانغ إلى أن المقاربة النيجيرية القائمة على التعاون المتعدد الأطراف تُعد نموذجًا عمليًا في بيئة إقليمية معقدة، إذ تساعد على تحسين كفاءة الاستجابة الأمنية، مع الحفاظ على سيادة القرار الوطني وتكييف الحلول مع خصوصيات الواقع المحلي والاحتياجات الميدانية.
وفيما يتعلق بالدور الإقليمي، أوضحت أن هذه التحركات تؤكد أن نيجيريا لا تنظر إلى أمنها بمعزل عن محيطها، بل باعتبارها فاعلًا محوريًا في استقرار غرب أفريقيا ومنطقة الساحل، مشددة على أن تعزيز قدراتها في مكافحة الإرهاب وأمن البحار ينعكس بشكل مباشر على أمن الدول المجاورة، وعلى استقرار طرق التجارة والطاقة في المنطقة.
وتابعت أن نيجيريا، في ظل بيئة أمنية إقليمية تتسم بالتداخل بين الإرهاب والجريمة المنظمة والتهديدات العابرة للحدود، تواصل توسيع شبكة علاقاتها الأمنية والدفاعية، مستندة إلى شراكات متنوعة وخبرات متكاملة.
ورأت بيريكورانغ أن هذا التوجه يعكس مقاربة واقعية وبراغماتية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي ومواجهة التحديات الأمنية بروح التعاون الدولي، وبما يدعم الجهود الأفريقية الرامية إلى بناء منظومات أمن وسلام أكثر استدامة.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQg
جزيرة ام اند امز